الصفحة 2191 من 3812

في الصحيح أن الصحابة كانوا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- فمر شاب جَلْدٌ فذكر الصحابة من نشاطه وجلده وأثنوا عليه أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (إن كان خرج ليسعى على أبوين شيخين كبيرين فسعيه في سبيل الله، وإن كان خرج رياء وسمعة فهو في سبيل الشيطان) .

وهذا يدل على أن الإنسان إذا احتسب علمه، واحتسب نومته، وذهابه، وإيابه، ونوى بذلك الاستعانة على طاعة الله عز وجل كتب له بذلك أجر، حتى السعي على الأولاد والأقربين، كيف لا؟ وأنت إذا تصدقت على المسكين البعيد يكتب لك أجر.

فاحتسب ثواب الله عز وجل، في كل لقمة وفي كل سلعة تشتريها لأهلك وأولادك، ولا تتبرم، ولا تغضب، ولا تكفهر، إذا ما طلب منك أن تأتي بحاجة للأولاد والبيت، بل احتسب نية الصدقة والأجر، فإن هذه اللقمة التي يأكلها الولد ويترعرع ويصبح عبدًا من عباد الله الصالحين لك مثل أجره وعبادته حتى يلقى الله رب العالمين، وكل ما استعانت به الزوجة والأهل والأولاد على عبادة الله، فإن لك مثل عبادتهم وأجرهم وصلاتهم وصيامهم ما داموا يجدون قوة الطعام في أبدانهن، فهنيئًا لك يا أيها الأب يا من تحتسب الأجر والثواب، ولهذا قال- عليه الصلاة والسلام-: (( حتى ما تضعه في فم زوجتك ) ).

موقف المُسلم مِن الخلاف

لفضيلة الشيخ

عبد الرحمن بن ناصر البراك

تحقيق

عبد الله عائض القحطاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد.

فقد أذنتُ لمن شاءَ بطبع ونشر المحاضرة التي ألقيتها في أحد المراكز، وهي بعنوان موقف المسلم من الخلاف ، وللإحاطةِ بذلك حرر.

قال ذلك عبد الرحمن بن ناصر البراك في 16/ 11/1413هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:

فقد قال الله سبحانه وتعالى: (( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) ) (الملك:1، 2) .

وقال تعالى: (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) (الكهف:7)

وقال سبحانه وتعالى: (( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) (هو:7) .

دلت هذه الآيات على أنَّ من حكمته تعالى في خلق الوجود ابتلاء العباد ، أي اختيارهم، ليتبين المحسنُ من المسيء، بل ليظهر من هو أحسنُ عملًا ، فهذه الحياةُ ميدان ابتلاء ، بدأت هذه الرحلة رحلة الابتلاء، منذُ ابتلى الله آدم بإبليس، حين أبى أن يسجد له استكبارًا وحسدًا ، فأسكن الله الأبوين الجنة ونهاهما عن الأكل من الشجرة، وابتلاهما بإبليس فأغواهما وزين لهما الأكل من الشجرة: (( فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) ) (الأعراف:22، 23،24)

فأهبط الله آدم وزوجه وإبليس إلى الأرض، وبدأت رحلةُ الابتلاء على ظهر الأرض، يبتلي الله عباده بما آتاهم ، ويبتليهم بالخير والشر، ويبتلي بعضهم ببعض، ويبتلي أولياءه بأعدائه، وأعداءه بأوليائه، قال الله تعالى: (( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) ) (الأنعام:53) .

يبتليهم بما أنزلَ الله عليهم من الشرائع المشتملة على الأوامر والنواهي .

فبدأ آدم- عليه السلام- وذريته هذا الطريق ومضوا، لكنهم مضوا على هدى الله وتوحيده، فمضى على ذلك عشرة قرون كلها على التوحيد، كما جاءَ عن ابن عباس -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالى: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) (البقرة:213) .

فبعث الله نوحًا- عليه السلام- لينذر قومه الشرك، ويحذِّرهم بأس الله، فلبث فيهم ألف سنة إلاَّ خمسين عامًا، فآمن معه من شاءَ الله من عباده ، قال الله تعالى: (( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) ) (هود:36) .

فمن ذلك التأريخ صار الناس فريقين:

* مؤمنين .

* وكافرين .

وكلما بعث الله نبيًا انقسم الناس أمام دعوته فريقين:

* مستجيبين مؤمنين .

* ومعارضين مكذبين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت