فهرس الكتاب
المسألة الأولى: قرأ الكسائي: العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها بالرفع ، وفيه وجوه: أحدها: العطف على محل { أن النفس } لأن المعنى: وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا ، وثانيها: أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول: كتبت ( الحمد لله ) وقرأت ( سورة أنزلناها ) وثالثها: أنها ترتفع على الاستئناف ، وتقديره: أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين ، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين } [ البقرة: 62 ] وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصف الكل سوى { الجروح } فإنه بالرفع ، فالعين والأنف والأذن نصب عطفًا على النفس ، ثم { الجروح } مبتدأ ، و { قِصَاصٌ } خبره ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفًا لبعض ذلك على بعض ، وخبر الجميع قصاص ، وقرأ نافع { الأذن } بسكون الذال حيث وقع ، والباقون بالضم مثقلة ، وهما لغتان .
المسألة الثانية: قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس ، يريد من قتل نفسًا بغير قود قيد منه ، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح ، إنما هو العفو أو القصاص . وعن ابن عباس: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية ، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة ، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف ، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال { والجروح قِصَاصٌ } وهو كل ما يمكن أن يقتص منه ، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها ، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة .
واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعًا في التوراة ، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال: هذه الآية حجة في شرعنا ، ومن أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا .
المسألة الثالثة: { قِصَاصٌ } هاهنا مصدر يراد به المفعول ، أي والجروح متقاصة بعضها ببعض .
ثم قال تعالى: { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } الضمير في قوله { لَهُ } يحتمل أن يكون عائدًا إلى العافي أو إلى المعفو عنه ، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له ، أي للعافي ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص 3 في سورة البقرة { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة: 237 ] ويقرب منه قوله صلى الله عليه وسلم: « أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس » وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه » وهذا قول أكثر المفسرين .
والقول الثاني: أن الضمير في قوله { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } عائد إلى القاتل والجارح ، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني ، يعني لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو ، وأما المجنى عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى .
ثم قال تعالى: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } وفيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال أولًا: { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } [ المائدة: 44 ] وثانيًا: { هُمُ الظالمون } والكفر أعظم من الظلم ، فلما ذكر أعظم التهديدات أولًا ، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده؟
وجوابه: أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس ، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه ، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه .
قفيته: مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال: عقبته بفلان وقفيته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء .
فإن قيل: فأين المفعول الأول في الآية؟
قلنا: هو محذوف ، والظرف وهو قوله { على ءاثارهم } كالساد مسده ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في { ءاثارهم } للنبيّين في قوله { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } [ المائدة: 44 ] وهاهنا سؤالات:
السؤال الأول: أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقًا لما بين يديه من التوراة ، وإنما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة ، ومعلوم أنه لم يكن كذلك ، فإن شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه السلام ، فلذلك قال في آخر هذه الآية { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } [ المائدة: 47 ] فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين؟
والجواب: معنى كون عيسى مصدقًا للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزّل من عند الله ، وأنه كان حقًا واجب العمل به قبل ورود النسخ .
السؤال الثاني: لم كرر قوله { مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والجواب: ليس فيه تكرار لأن في الأول: أن المسيح يصدق التوراة ، وفي الثاني: الإنجيل يصدق التوراة .
السؤال الثالث: أنه تعالى وصف الإنجيل بصفات خمسة فقال: { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } وفيه مباحثات ثلاثة: أحدها: ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة: وثانيها: لم ذكر الهدى مرتين؟ ، وثالثها: لم خصصه بكونه موعظة للمتقين؟