فهرس الكتاب
والجواب على الأول: أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه ، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد ، وعلى النبوّة وعلى المعاد ، فهذا هو المراد بكونه هدىً ، وأما كونه نورًا ، فالمراد به كونه بيانًا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف ، وأما كونه مصدقًا لما بين يديه ، فيمكن حمله على كونه مبشرًا بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبمقدمه وأما كونه هدىً مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيهًا على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجًا إلى البيان والتقرير ، وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة وإنما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، كما في قوله { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] .
السؤال الرابع: قوله في صفة الإنجيل { وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } عطف على ماذا؟
الجواب: أنه عطف على محل { فِيهِ هُدًى } ومحله النصب على الحال ، والتقدير: وآتيناه الإنجيل حال كونه هدىً ونورًا ومصدقًا لما بين يديه .
ثم قال تعالى: { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } قرأ حمزة { وَلْيَحْكُمْ } بكسر اللام وفتح الميم ، جعل اللام متعلقة بقوله { وآتيناه الانجيل } [ المائدة: 46 ] لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه ، فكان المعنى آتيناه الإنجيل ليحكم ، وأما الباقون فقرؤا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر ، وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل ، فيكون هذا إخبارًا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل ، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله { وَكَتَبْنَا وَقَفَّيْنَا } يدل عليه ، وحذف القول كثير كقوله تعالى: { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد: 23 ] أي يقولون سلام عليكم ، والثاني: أن يكون قوله { وَلْيَحْكُمْ } ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل .
فإن قيل: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟
قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الأصم . والثاني: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، مما لم يصر منسوخًا بالقرآن ، والثالث: المراد من قوله { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة ، فالمعنى بقوله { وَلْيَحْكُمْ } أي وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل .
ثم قال تعالى: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } واختلف المفسرون ، فمنهم من جعل هذه الثلاثة ، أعني قوله ( الكافرون الظالمون الفاسقون ) صفات لموصوف واحد . قال القفال: وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى ، بل هو كما يقال: من أطاع الله فهو المؤمن ، من أطاع الله فهو البر ، من أطاع الله فهو المتقي ، لأن كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد . وقال آخرون: الأول: في الجاحد ، والثاني والثالث: في المقر التارك . وقال الأصم: الأول والثاني: في اليهود ، والثالث: في النصارى . ثم قال تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقوله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أي القرآن ، وقوله { مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن .
وقوله { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } فيه مسائل:
المسألة الأولى: في المهيمن قولان: الأول: قال الخليل وأبو عبيدة: يقال قد هيمن إذا كان رقيبًا على الشيء وشاهدًا عليه حافظًا . قال حسّان:
إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب
والثاني: قالوا: الأصل في قولنا: آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين ، ثم قلبت الأولى هاء كما في: هرقت وأرقت ، وهياك وإياك ، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمنًا فلهذا قال المفسرون { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } أي أمينًا على الكتب التي قبله .
المسألة الثانية: إنما كان القرآن مهيمنًا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير مسنوخًا ألبتة ، ولا يتطرق إليه البتديل والتحريف على ما قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر: 9 ] وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبدًا ، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدًا .
المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى: بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات ، ولقوله { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت: 42 ] والمهيمن عليه هو الله تعالى .