الصفحة 2213 من 3812

أخي: إن الغيرة على الدين وحمل همه يجب أن تكون هاجس كل واحد منا، وهمًا يجري في عروق كل مسلم صغيرًا كان أم كبيرًا ذكرًا أو أنثى، عالمًا أو جاهلًا صالحًا أو فاسقًا فلا يجوز أن تكون الذنوب والخطايا حاجزًا وهميًا بين العبد وبين العمل الإيجابي لهذا الدين ، نريد أن يكون هم هذا الدين يلاحق المرأة في بيتها والرجل في متجره والمعلم في فصله والطالب مع زملائه والموظف في دائرته بل ويحمله الشاب على الرصيف وفي مدرجات الملاعب فلم تكن الخطيئة يومًا مهما عظمت حائلًا بين المسلم وبين أن يساهم في نصرة هذا الدين فقد ذهب بعض الصحابة إلى غزوة أحد بعد ليلة من شرب الخمر كما في صحيح البخاري أنه اصطبح ناس الخمر يوم أحد ثم قتلوا شهداء .

وفي قصة أبي محجن الثقفي عبرة وعظة وهو الذي كان يشرب الخمر ويجلد عليها فلم يمنعه ذلك عن الجهاد في القادسية، وكعب بن مالك وهو المتخلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعه ذلك من الاعتزاز بدينه والتمسك به أمام إغراءات ملك غسان.

أخي: إن العمل للدين ليس مصنفًا إلى شرائح وفئات فكل مسلم بانتمائه للإسلام عامل للدين مهما كان عليه ومهما كان فيه من خطأ ومهما اعتراه من تقصير، فينبغي ألا تضيف إلى أخطائك خطأ آخر هو القعود عن العمل للدين .

إن العمل للدين ليس وظيفة تصدر برقم وتاريخ ولكنه صدر بأمر رباني برقم مائة وخمسة وعشرين من سورة النحل (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) ) (النحل:125) .

إن العمل للدين ينبغي أن يبقى ظاهرًا في حياتنا، نراه في شاب يوزع شريطًا أو كتابًا، نراه في شاب يبلغ كلمة، نراه في موقف يعلن إنكار منكر، نراه في معلم يوجه طلابه، وأب يرشد أبنائه، نراه هنا وهنا وهناك.

إن العمل للدين أمر لا نستخفي به ولا نتستر عليه بل ينبغي أن تبقى ساحتنا فوارة بالعمل الضخم للدين ، نراه في كل فلته وفي كل لفته، (( وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) ) (محمد:38) .

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين .

أما بعد .

إن الدعوة إلى الله عز وجل صورة من صور العمل لهذا الدين ومظهر من مظاهر الغيرة عليه، الدعوة إلى الله وظيفة الرسل (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ) ) (فصلت:33) .

كل الكلمات تسقط وتبقى كلمة الداعية، وكل العبارات تهوي وتسمو كلمة الداعية، الدعوة إلى الله من أعظم ما يتقرب به إلى الله كما قال ابن القيم ( مقام الدعوة إلى الله من أشرف مقامات التعبد ) .

فيا رجال ويانساء: إن أبواب الدعوة مفتحة فكونوا أول السالكين وإن حبالها مرخاة فكونوا أو الصاعدين .

أخي المسلم: إن مما يقوي في قلبك الغيرة على دين الله أن تستشعر المسؤولية وجسامتها وأن تقدر الخطر الداهم على أمتك وتستشعر استمرارية دعاة الباطل في إشاعة باطلهم: (( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا ) ) (النساء:27) .

(( وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ) ) (ص:6) .

(( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) ) (الانفال:36) .

فأنت ترى أصحاب الملل الباطلة والنحل الضالة يبذلون كل غال ورخيص دفاعًا عن باطلهم ونشرًا لمبادئهم دون انتظار لجزاء دنيوي .

يقول أحد الدعاة: اذكر أنني ترددت كثيرًا جدًا على مركز من مراكز إعداد المنصرين في مدريد وفي فناء المبنى الواسع وضعوا لوحة كبيرة كتبوا عليها: أيها المبشر الشاب نحن لا نعدك بوظيفة أو عمل أو سكن أو فراش وثير إننا ننذرك بأنك لن تجد في عملك التبشيري إلا التعب والمرض ، كل مانقدمه لك هو العلم والخبز وفراش خشن في كوخ فقير ، أجرك كله ستجده عند الله ، إذا أدركك الموت وأنت في طريق المسيح كنت من السعداء .

هذه الكلمات حركت كثيرًا من جند الشيطان المبشرين بالنيران من حملة الشهادات في الطب والجراحة والصيدلة وغيرها للذهاب إلى الصحاري القاحلة التي لا توجد فيها إلا الخيام والمستنقعات المليئة بالنتن والأمراض، والمكوث هناك السنين الطوال دون أجر وبلا منصب، فما بالنا معشر المسلمين يجلس الواحد منا شبعان متكئًا على أريكته، إذا طلب منه نصرة دين الحق أو كلف بأبسط المهام أو عوتب على تقصيرة في الدعوة أو ليم على استغراقه في اللهو والترفيه انطلق كالسهم مرددًا ياحنظلة ساعة وساعة وكأنه لا يحفظ من القرآن أو السنة غير هذا .

تبلد في الناس حس الكفاح ومالوا لكسب وعيش رتيب

يكاد يزعزع من همتي سدور الأمين وعزم المريب

يامعشر المعلمين والمعلمات، يابناة المجد وصانعي الجيال، إن أهم ما نخاطبكم به أن تمكنوا همَّ الدعوة من قلوبكم مستغلين الموارد المتاحة لكم قبل أن تنضب أو تشوبها شوائب البطالة أو تكتسحها أيدي السفالة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت