الصفحة 2216 من 3812

ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليٌّ من الذل وكبّره تكبيرًا .. وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله بعثه الله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا .

اللهمَّ صل عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسَلِّمْ تسليمًا كثيرًا .. أَمَّا بعد .

فلا مخرج من الأزمات ولا فلاح للعبد ولا نجاة إلا بتقوى الله عالم السر والخفيات، ومنجي عباده عند نزول الشدائد والملمات ، وسامع صوت يونس في بحار الظلمات ، فنسألك اللهم الهدى والتقى والعفاف والغنى .

اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك، ويؤمن بك ويتوكل عليك أنت حسبنا ونعم الوكيل

عباد الله:

إننا نعيش في عصر تقدم فيه الإنسان في مجالات التصنيع والتسلّح والاختراع وتوفرت فيه وسائل الراحة وسبل الترف والرفاهية فهل سعدت الإنسانية بهذا هل شعرت بالطمأنينة وراحة النفس ؟ كلا .

سباقٌ محموم إلى التسلح النووي واقتناء أحدث الأسلحة لتدمير الحرث والنسل فهل تحقق السلام والهناء ، والراحة والهدوء ؟.

هاهو العالم اليوم يعيش فوق بركان من القلق والفزع وفوق زلازل من الحيرة والاضطراب ، وما يكاد العالم يخلص من مشكلة أو أزمة إلا ليستقبل أزمة أكبر أو مشكلة أمر وما ذلك إلا لأن هذا التقدم المادي الحسي لم يصاحبه ما يماثله من التقدم الروحي النفسي .

بل نحن نعيش في عالم لا يدين أكثره بالمثل العليا ولا بالعقائد الصحيحة . قد انفصمت عرى الإيمان في النفوس وقَلَّ عمل الخير بمعناه الصحيح ، وضعف سلطان العدل ، وضاع صوت الحق في زحمة الباطل .

ولو أن رجلًا من السلف الصالح رجع إلينا لها له ما يرى .

أما المسلمون فالكثير الغالب منهم قد ضيعوا مجدهم وعزهم ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ساروا خلف أعدائهم فأوردوهم موارد الذل والهوان تركوا الجهاد ، وركنوا إلى الدنيا ، وتنازلوا عن عزتهم وعلوهم (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ).

(( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ).

وأمَّا الغرب الكافر فـ (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) )يعيش أحدهم

فيأكل كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم .

أعطوا ذكاءً ولكن بدون ذكاء ووهبوا علومًا بدنياهم ولكنها صارت من أسباب شقائهم ، لهم عقول ولكن

لا يعقلون بها مكنوا من الأسباب المادية ، وحرموا عبادة رب البرية .

فيا الله ما أعظم خسارتهم ، وما أشد تعاستهم ، وما أبئس حالهم (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ) ).

(( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ).

(( لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ ) ).

(( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ) ).

إن ما تعانيه الإنسانية اليوم من بلاءٍ وشقاء ، وظلم واستعلاء ، وشرور ووباء بحاجة إلى علاج ودواء ،

ولربما يتفلسف أناس ، ويتفيهق آخرون في وصف العلاج فيطيلون ويرهقون ثم لا يأتون إلا بالفشل الذريع ، ولكن الله تبارك وتعالى رسم لعباده العلاج ووضح لهم المنهاج الذي إن أخذوا به خرجوا من الظلمات إلى النور ،

ومن سبل الشقاء إلى طريق الهدى والأرتقاء رسم هذا المنهج في سورة قصيرة ذاتِ آياتِ ثلاث لكنَّ فيها المنهج

الكامل للحياة الحقيقية .

إنها تشخّص العلة وتحدد الداء وَتُرَسّخ طريق الخلاص ووصف الدواء تلكم هي (سورة العصر) والتي يقول عنها الشافعي - رحمه الله-: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم (تفسير أبن كثير 4/582) .

وذكر الطبراني عن عبيد الله بن حفص قال: ( كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ) ( تفسير سورة العصر عبد العزيز القارئ ص 26 ) .

ليذكر أحدهما صاحبه بما في هذه السورة من منهج السعادة وعوامل النجاح وطريق الفلاح .

ويقول ربنا سبحانه في هذه السورة: (( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ).

أقسم الله تعالى بالعصر وهو الدهر والزمان الذي يحصل فيه حركات بني آدم من طاعات ومخالفات ،

وخير وشر أقسم الله لما فيه من دلائل القدرة على الخالق سبحانه فهو مشتمل على الأعاجيب فيه السراء والضراء والصحة والسقم ، والغنى والفقر وفي ذلك تنبيه للإنسان على أن هذا الزمان ظرفٌ لأعماله وأنه يمرُّ وينقضي سريعًا إذا لم يستفد منه ضاع عليه فكل يوم مضى نقص في العمر .

إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يومٍ مضى نقصٌ من الأجلِ

إن الزمان بحركته الدائبة يجري بالإنسان نحو نهايتهَ المحتومة وإن كان لا يحس بذلك .

وأرى الزمانَ سفينةً تجري بنا نحو المنونِ ولا نرى حركاتِهِ

والزمان بتعاقب أيامه ولياليه عبرةٌ لمن أراد أن يعتبر وواعظ لمن أراد أن يتعظ: (( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت