الصفحة 2238 من 3812

نعم! يمكن أن يترك المسلم الدعوة ويبقى محافظًا على دينه في حالة الاعتزال التام عن الناس، في شعفٍ من الجبال والأدغال، هذا متيسرًا في هذا الزمان، ثم لو كان ذلك ممكنًا: فمن ذا الذي يدعو إلى الله- عز وجل- ويواجهُ الفساد، وعلى أيةِ حالٍ فالعزلةُ الشرعية لها أحكامها وضوابطها، والتي سنأتي عليها إن شاء الله تعالى في مبحثِ (سبل النجاة من الفتن) .

إذن: فلن ينجو من فتنةِ الغربة في أيِّ زمانٍ أو مكان إلاَّ أحدُ رجلين:

-إما مجاهدٌ في سبيل الله- عز وجل- داعٍ إلى الخير، آمرٍ بالمعروف وناهٍ عن المنكر.

-أو رجل معتزل عن الناس في مكانٍ من الأرض يعبد ربه، ولا يخالط الناس.

وما سواهما فهو على شفا هلكة، ولعلَّ هذا مما يُفهم من الحديث الذي رواهُ أبو هريرة- رضي الله عنه- أنَّ الرسول e قال: ("مِن خيرِ معاش الناس لهم:رجل ممسكٌ عنان فرسه في سبيل الله يطيرُ على متنه، كلما سمع هيعةً أو فزعةً، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفةٍ من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية؛ يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلاَّ في خير) [2] ."

4-فتنة العجلة وقلة الصبر على الأذى في الغربة ، ممَّا يؤدي ببعض من يقاسي ضغوطها إلى التسرعِ والاصطدام مع أهل الفساد، دون مراعاةٍ للمصالح والمفاسد؛ فينشأ من جراءِ ذلك فتنةٌ أشد، وفسادٌ أكبر على أهل الغربة.

1 في ظلال القرآن 5/ 2719، 0 272 (باختصار) .

[2] مسلم في الإمارة (3/ 3. د 1، 4 0 5 1) (1889) .

الدعوة إلى الله

الحمدُ لله يهدي ويُضل، ويعزُّ ويُذل، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريك له، أنَّهُ هُو البرُّ الرحيم، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ النبي المصطفى الكريم- صلى الله عليه وسلم- وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن سارَ على دربهِ إلى يومِ الدين .

أمَّا بعدُ: فاتقوا الله أيُّها المسلمونَ حقَّ التقوى.

بعيدًا عن جوِّ هذا الزمانِ القاتمِ بغبارِ الالتزامِ الأجوف، والمشوَّه بقترِ السلبيةِ المفرطةِ والمظهريةِ الجوفاء، نحلقُ في فضاءِ الجيلِ السالفِ، المعطرِ بورودِ الإيجابية، ونتفيؤ ظلالَ شجرةِ البذلِ والعطاءِ، والتضحيةِ والفداء.

نعودُ بذكرِياتنا إلى الصورِ الرائعةِ لماضينا المجيد، حيثُ يتجلى الإيمانُ الحقُّ، وتبرزُ حقيقةَ الهمِّ لهذا الدين، وتظهرُ الغيرةُ الحقيقيةُ على دينِ الله.

إنَّ الإيمانَ إذا خالفت بشاشتهُ القلوبُ استحكم الولاءُ لهُ، وكان العطاءُ للدين سخيًا غاية السخاء، لأنَّهُ معاملةً مع كريم، وتلقٍ لمننٍ من إلهٍ عظيم.

وإذا كانت الحياةُ تقدمُ فداءً للدين، وثمنًا لدينه، فهي كذلكَ تُسَخَّرُ لخدمةِ الدينِ وللعطاءِ له، إذ كلُّ ما فيها لله، وإذا هِي حياةٌ أُوقفت كلَّها لله.

هذا نوحٌ- عليه السلام- يُخاطبُ ربَّهُ: (( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ) ) (سورة نوح:5) ثم قال: (( ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ) ) (سورة نوح:9) ز

إنَّهُ الجهدُ الدائمُ الذي لا ينقطعُ ولا يملُّ، ولا يفترُ ولا ييأسُ أمامَ الإعراضِ ألفَ سنةٍ إلاَّ خمسينَ عامًا .

ماذا بقى من حياةِ نبيِّ اللهِ نوح، لم يُسخِّر لدعوتهِ، ولم يبذل لرسالتهِ الليلُ والنهار، الجهرُ والإسرار، كُلَّها للهِ حياةً أُوقفت كُلَّها لله .

ثُمَّ سرَّح طرفكَ في مسيرةِ أنبياءِ اللهِ ورسله، لتقفَ أمامَ نبيِّ اللهِ يُوسفُ السجينُ الغريب، الطريدُ الشريد، الذي يُعاني ألمَ الغُربةِ وقهرَ السجن، وشجا الفراقِ وعذابَ الظلم، في هذا كلهُ، وبين هذا كُلَّهُ في زنزانةِ السجنِ، يسألُهُ صاحبا السجنِ عن تعبيرِ الرؤيا، فلا يُدع نبيُّ اللهِ يوسف الفرصةَ تفلت، ولا تُنسيهِ مرارةُ المُعاناةِ القاسيةِ واجب العملِ للهِ، والعطاء لدينه، فإذا به يحولُ السجنَ إلى مدرسةٍ للدعوة، ويرى أن كونَهُ سجينًا لا يعفيهِ أبدًا من تصحيحِ الأوضاعِ الفاسدةِ، والعقائدَ المنحرفة، فإذا به يُنادى في السجن: (( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ) (سورة يوسف:39) .

فاسمعوا يا معشرَ الأحرارِ الطُلقاء، وتمضي قافلةُ العظماءِ من الأنبياءِ، لتنتهي بسيدِهم وخيرِهم محمد- صلى الله عليه وسلم- والذي سُئلت عنهُ عائشةَ- رضي الله عنها-، أكانَ نبيُّ الله- صلى الله عليه وسلم- يُصلي جالسًا قالت: نعم، بعدما حطَّمهُ الناس، وهو النبيُّ الذي قالَ الله عز وجل عنهُ: (( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) (سورة التوبة:128) .

ويقولُ: (( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ) ) (سورة الكهف:6) .

وإنَّ الإنسانَ ليأخذهُ الدهشُ والعجبُ، كما تغمرهُ الروعةُ والخشوعُ، وهو يستعرضُ ذلك الجهدُ الموصولِ من الرسلِ- عليهم صلوات الله وسلامه- لهدايةِ البشريةِ الضالةِ المُعانِدة .

جهودٌ موصولة، وتضحياتٌ نبيلةٌ لم تنقطع على مدارِ التأريخِ، من رُسلٍ يُستهزأُ بهم، ويُحرقُون بالنارِ، أو يُنشَرُون بالمنشار، أو يَهجُرون الأهلَ والديارَ حتى تجيءُ الرسالةُ الأخيرة، فيجهدُ فيها محمد- صلى الله عليه وسلم- ذلك الجهدُ المشهودُ المعروف، هو والمؤمنون معه، ثُمَّ تتوالى الجهودُ المضنيةُ، والتضحياتُ المذهلةُ، من القائمين على دعوتهِ في كلِّ أرضٍ وفي كلِّ جيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت