فهرس الكتاب
وتعجبني في هذا كلمة قالها أحد الدارسين لسيرة المصطفى- صلى الله عليه وسلم - إذ قال: إنَّ هؤلاء القوم كانوا من شدةِ ذلهم وخوفهم من كسرى، بحيث إنَّهم لا يصدقون أنَّه بالإمكان أن ينتصروا عليه، أو أن ينتصرَ العرب على الفرس والروم، ولكنه كان وعد الله .
وما أشبه الليلة بالبارحة، فإنَّ العرب اليوم لا يصدقون أبدًا، ولا يخطر ببالهم أنَّهُ بالإمكان أن ينتصروا على أعداء الإسلام من اليهود والنصارى، ومن قال بذلك ربما يقولون عنهُ كما قال أبو لهب، وكما قالت بنوا شيبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ربما قالوا عنه: إنَّهُ مجنون.
ولقد أوذي أصحاب المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - حتى فرُّوا بدينهم إلى أرض الحبشة، وهاجروا إلى المدينة، أوذي بلال، وما حصل لبلا ل معروف مشهور، وأوذي خباب، حتى كانت توضع له قدور النحاس في النار حتى تلتهب، ثم توضعُ على ظهره فيشوي ظهره، ويسيلُ منه الودك - وهو الدهن - فجاءَ خبابُ بعد ما مسَّهُ من أذى هو وأصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسدٌُ بُردًا له تحت ظل الكعبة . قالوا: يا رسول الله ! ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فيقول - عليه الصلاة والسلام - بعد أن يجلس: (( إنَّ من كان قبلكم ينشر أحدهم بمنشار حديد، من مفرق رأسه إلى قديمه، ويمشطُ جسمه بأمشاط الحديد ما بين العظم واللحم، ما يصدهُ ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلاَّ الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) ) [1] .
[1] أخرجه البخاري في كتاب المناقب / باب علامات النبوة في الإسلام 4/179، 180. وأبو داود في كتاب الجهاد /باب في الأسير يكره على الكفر ( 2649) .
مظاهر الغربة في زماننا اليوم
وهي كثيرة ومتنوعة، حتى إنَّها لتكاد تشمل جوانب الدين كله، ولكن يمكن إجمال أهم مظاهر الغربة في الأزمنة الحاضرة اليوم فيما يلي:
ا- غربة في العقيدة، فلا يوجد من هو متمسكٌ بعقيدة السلف من جميع جوانبها إلاَّ القليل من الناس؛ حيث تنتشر الخرافة والشر كيات والبدع في أكثر بلدان المسلمين.
2-غربة في تطبيق الشريعة والتحاكم إليها، فلا يحكم اليوم في أكثر بلدان المسلمين إلاَّ بأحكام الإفرنج الكافرة.
3-غربة في الالتزام بأحكام الإسلام، سواءً ما كان منها بين العبد وربه، أو بين العبد وبين الخلق؛ فلا يوجد الملتزم بها إلاَّ القليل.
4-غربة في السلوك والأخلاق الفاضلة، وتزامن ذلك مع انفتاح الدنيا وكثرة الشهوات.
5-غربة أهل الحق ودعاة الإسلام، وتسلط الأعداء عليهم، وإيذاؤهم لهم بأشد أنواع الأذى والنكال.
6-غربة في عقيدة الولاء والبراء؛ حيث مُيِعت هذه العقيدة عند كثيرٍ من الناس، وأصبح ولاءُ أكثرهم وحبهم وبغضهم للدنيا فحسب.
7-غربة في أهل العلم، حيث قلَّ أهل العلم الشرعي الصحيح، وانتشر الجهل وكثرت الشبهات.
مظاهر الفتنة في أزمنة الغربة:
إنَّ من أشدِّ ما يخشى على أهل الإسلام في أزمنة الغربة أربعة مظاهر من الفتن يمكن إجمالها فيما يلي:
1-الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشبهات ، والتأثر بأهلها الذين هم الأكثرية في عصور الغربة، مما يحصل معه السقوط في فتن الشبهات، سواءً ما يتعلق منها بالعقائد أو الأعمال أو المخالفات الشرعية الأخرى، وتسويغ ذلك بشبهةٍ شرعية تبرز عادةً في غيبة الحق وفشوا الجهل.
2-الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشهوات، التي تطم وتنتشر عادةً في عصور الغربة وقلة أهل الحق، وانفتاح الدنيا بزخرفها على الناس؛ فلا يكاد يثبت ويستقيم على أمر الله- عز وجل- مع كل هذه الضغوط إلاَّ القليل الذين يعتصمون بالله، ويقومون بأمره، ويدعون إلى سبيله، أما الكثرة الكاثرة الذين ضعف صبرهم، فتراهم يتنازلون عن دينهم شيئًا فشيئًا أمام مظاهر الغربة الفاتنة، سواءً كان ذلك التنازل في العقيدة أو السلوك أو التزام الأحكام.
3-فتنة اليأسِ والقنوط من ظهور الحق وانتصاره ، أمام تكالب الأعداء وتمكنهم، وتسلطهم على أهل الخير بالأذى والابتلاء، مما قد يؤدي ببعض أهل الغربة إلى اليأس وترك الدعوة، حين يرى إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة، وهو مهملٌ منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلاَّ (القليلون من أمثاله، الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا، فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاءُ أشد وأعنف، ولم يثبت إلاَّ من عصم الله) ( [1] ) .
وإنَّ فتنة اليأس والإحباط وترك الدعوة إلى الله- عز وجل- في عصور الغربة، لا تقف عند حد؛ بل قد تؤدي بصاحبها- والعياذ بالله- إلى الضعف، والنقص في دينه شيئًا فشيئًا أمام فتن الشبهات والشهوات؛ ذلك لأنَّ أيام الغربة أيامُ فتنٍ وإغراءات، وفشوِّ منكراتٍ، وظهورٍ وتمكين لأهل الباطل والفساد، فإن لم يكن للمسلم فئة صالحة- ولو كانت قليلة- يأوي إليها، ويدعو معها إلى الله- عز وجل- حسب الوسع والطاقة، فإنَّهُ لا بد وأن يتأثر بالفساد وأهله، إلاَّ من رحم الله- عز وجل- ومن غير المقبول عقلًا وشرعًا وحسًا، أن يبقى المُسلمُ محافظًا على دينهِ أمام الغربة، وهو تاركٌ للدعوة بعيد عن أهلها، فإمَّا أن يؤثر أو يتأثر.