الصفحة 2236 من 3812

فبماذا واجه موسى - عليه السلام - (( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) ) (الأعراف: 128، 129) .

ولقد أهلك الله - عز وجل - عدوهم واستخلفهم في الأرض قال تعالى: (( فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) )يعني من فرعون وجنوده .

(( فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ ) ) (الأعراف:136، 137) .

بم ؟ ما هو المؤهل ؟

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ )) (الأعراف: 137) .

وإذا أردت شيئًا من نبأ فرعون فاستمع إلى قول ربك - جلا وعلا -: (( نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ).

(( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) ) (القصص:3- 6)

وإذا أعجبت أخي المسلم ! فاعجب !! إنَّ الرجل الذي دمر الله فرعون على يديه: هو الرجل الذي تربى في قصر فرعون ، فالله - عز وجل - ينصر أولياءهُ ويدمر أعداءه ، وهذه سنته (( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الروم: من الآية47) .

أما خاتم النبيين ، وأشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وسلم- فقد أوذي في الله - عز وجل - وما يؤذي أحد، ولقد أخيف في الله - عز وجل - وما يخاف أحد، لقد آذوه في جسده الشريف، ولقد آذوه بأقوالهم وألسنتهم ، لقد جاء عدو الله الفاسق عقبة بن أبي معيط، ووضع على عنقه- صلى الله عليه وسلم- الثوب وخنقه خنقًا شديدًا ، حتى جاءَ أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - فدفعهُ عنه وقال: أتقتلون رجلًا أن يقولَ ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم .

وجاءه هذا الشقي أيضًا وهو ساجد - بأبي وأمي - صلى الله عليه وسلم- فوضع على ظهره الشريف سلا الجزور ، فظل- صلى الله عليه وسلم - ساجدًا حتى جاءت ابنته فاطمة - رضي الله عنها - فنظفت ظهرهُ، وأزالت ما به من أقذار .

هذا هو محمد- صلى الله عليه وسلم- أشرف الخلق، ولم تقنع قريش بذلك ، فحاصروه - صلى الله عليه وسلم - في شعب أبي طالب هو ومن آمن معه، ومن نصره من أقاربه، حتى ولو كانوا غير مسلمين، حاصروهم في الشعب ثلاث سنوات .

وما أدراك ما هذا الحصار، إنَّهُ يقوم على دعامتين .

أولاهما: مقاطعةً اجتماعية تامة، فلا يتزوجوا ولا يتزوج منهم .

وثانيهما: مقاطعةً اقتصاديةً تامة، فلا يشتري منهم، ولا يباعون، ولا يسمح لهم أن يشتروا ممن يقدمُ على مكة متاجرًا، حصار لم تعرف له الأرض مثيلًا، لم تصل إليه بعد شياطين الإنس والجن قبل قريش؛ ثم فرَّج الله - عز وجل - عن نبيه ويسر له أنصارًا وأعوانًا، ويسر الهجرة إلى بلد ينتشر فيه نور الإسلام، ويكون قاعدة لدولة الإسلام، ثم ينصره الله - تبارك وتعالى - على قريش في سنوات قلائل، وكما آذوا المصطفى صلى الله عليه وسلم بأفعالهم ، فقد آذوا بأقوالهم، ولقد أعملوا الامكا نية الإعلامية، التي يملكونها في تشويه صورة الرسول صلى الله عليه وسلم ، قالوا: شاعر، كاهن، ساحر، وقالوا: إنَّه مفتر ، وما جاء به سحر، حتى بلغ من شدة ادعاءاتهم وافتراءاتهم وأكاذيبهم، أنَّ الرجل إذا أراد أن يقدم مكة يضع في أذنيه قطنًا حتى لا يستمع إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأذكر هنا قصةً واحدةً مما ذكره أهل السير:

انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرض الإسلام على القبائل، فمر على قبيلة من قبائل العرب يقال لهم بني شيبان، هذه القبيلة تسكن على شواطئ نهر الفرات، أنَّها تجاور الفرس، فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، ثم وعدهم أنَّهم إن أسلموا وأطاعوه، أنَّ الله عز وجل يُمكنهم من أهل فارس، ومن ملكهم، ونسائهم وأولادهم، فجاء عدوَّ الله أبو لهب، وإنَّها لعبرةٌ للمعتبر، أن يكونَ الذي يتحمل وزر تشويه دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم - هو عمه ؟! فقال: ماذا قال لكم ؟ قالوا: قال: كذا وكذا، فقال: إنه مجنون، إنَّه يهذي من أم رأسه، فيقول هؤلاء: لقد علمنا ذلك حينما ذكر ما ذكر من أمر كسرى - ومعنى هذا: إنَّهم قالوا لقد علمنا أنَّهُ مجنون حينما وعدنا أننا نتمكنُ من أرض فارس، ونستعبدهم، ونأخذ أولادهم ونسائهم سبايا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت