الصفحة 2256 من 3812

(8) الصدق في الحديث، والوفاء بالعهود وأداء الأمانة، وإنفاذ الوعد، وتقوى الله عز وجل في الخصومة، فكلُّ هذه الخصال تدلُ على صلاحٍ في السريرة، لأنَّ أضداد هذه الصفات إنما هي من خصال المنافقين، الذين فسدت سرائرهم،كما أخبر بذلك الرسول eبقوله: (( أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق:إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر ) ) ( [15] ) ، ويدخل في ذلك ذو الوجهين، الذي يلقى هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه.

(9) قبول الحق والتسليم له، من أي جهة كان، ويضاد ذلك التعصب للأخطاء، والجدال بالباطل، وإتباع الهوى في ذلك.

وأكتفي بذكر هذه العلامات على صلاح الباطن والسريرة، لتدلَّ على ما سواها، مما لم أذكره ها هنا.

ويحسنُ في نهاية هذه المقالة، الإشارةُ إلى بعض الثمرات العظيمةِ لصلاح السريرة، وذلك فيما يلي:

1-نزول الطمأنينة والسكينة في قلبِ من صلحت سريرته وثباته، أمام فتن الشبهات والشهوات، وابتلاءات الخير والشر.

2-إلقاء المحبة لمن صلحت سريرته بين الناس، مما يكون لهُ الأثر في قبول كلامه ونصحه، وأمره ونهيه.

3-أثر صلاح الباطن والسريرة في حسن الخاتمة، حيث ما سمع ولا علم - ولله الحمد - بأن صاحب السريرة الصالحة، والقلب السليم قد خُتم له بسوء، وإنما يكون ذلك لمن فسدت سريرته، وباغتهُ الموت قبل إصلاح الطوية.

4-القبول عند الله عز وجل يوم القيامة، ومضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات، قال الله عز وجل: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ) ) ( الطلاق: 5 ) .

وقال تعالى: (( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) ) (المائدة: 27) .

5-تفريج الكربات، وإعانة الله عز وجل للعبد عند حدوث الملمات والضائقات، كما حصل لأصحاب الغار.

6-الهداية إلى الحق، والتوفيق إلى الصواب، عندما تحتار العقول والأفهام.

والحمد لله رب العالمين .

[1] مسلم: ( 2564 ) .

[2] البخاري كتاب الإيمان ( 52 ) ، مسلم كتاب المساقات ( 1599 ) .

[3] حلية الأولياء 4 / 70 .

[4] بدائع التفسير 5 / 185 .

[5] بدائع التفسير 5 / 185 .

[6] صفة الصفوة 1 / 420 .

[7] المصدر السابق 4 / 145 .

[8] سير أعلام النبلاء 2 / 572 .

[9] المصدر السابق 8 / 97 .

[10] سير أعلام النبلاء 4 / 576 .

[11] مدارج السالكين 1 / 436 .

[12] صفة الصفوة 2 / 234 .

[13] المصدر السابق 4 / 122 .

[14] روضة المحبين ص280 .

[15] البخاري ، كتاب الإيمان ( 34 ) ، مسلم ( 58 ) واللفظ له .

لا عزة لنا إلا بالإسلام

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فإن أمة الإسلام في هذه الأيام تعيش وتواجه متغيراتٍ كثيرة ، لأسبابٍ منها: وجود الانفتاح الإعلامي العالمي، وعولمة الغرب، وتفرق المسلمين وتنوع مناهجهم، سواءً فيما يدعون إليه، أو في كيفية مواجهة أعداء الدين على مختلف مللهم ونحلهم. وطوائف أهل البدع الضالة على تفاوت درجاتها في الضلالة.

ومواجهة ذلك المواجهة الصحيحة، تكون بقوة الحق الواضح المستبين ، بالتأصيل العلمي والمنهجي في حياة المسلمين عامة وأهل العلم والدعوة إلى الله خاصة، وهذا الذي سار عليه سلفنا الصالح منذُ زمن الصحابة- رضي الله عنهم- ومن جاء بعدهم، من أئمة الهدى في القرون المفضلة وما بعدها.

وأي انحرافٍ عن منهجهم- بتنازلاتٍ عن أصول الدين ومسلماته، أو بالتقاربِ مع طوائفِ الضلالِ والبدع، أو الرضا براياتٍ جاهليةٍ علمانية، لتحقيق مصالح قومية ونحوها، أو تبني أطروحاتٍ كلاميةٍ عقلانيةٍ منحرفة من أجل التقاربِ مع حضارة الغربِ وثقافته، وعدم الصدام معها- أو غير ذلك من ألوان الانحراف، فلن يزيدنا إلا تفرقًا وضعفًا وهزيمة أمام أعدائنا.

وعلى ذلك فالدعوة إلى العودة إلى منهاج السلف الصالح علمًا وعملًا، وسلوكًا ومنهجًا، هو الواجب عند اختلاف الأمة وتفرقها، كما أخبر بذلك رسول الله e، وتفصيل ذلك يطول، وقد كُتبت فيه والحمد لله دراسات متعددة.

ولكني أشير- في هذه العجالة- إلى جملةٍ من الأسس التي لابد منها، أهمها:

اليقين القاطع الذي لا يتزعزع بصلاحية هذا الدين لكل زمان ومكان، ومنه هذا العصر الذي نعيشه، بعولمته، وتقنياته، وقوة أعداء الإسلام المادية، وضعف المسلمين وتأخرهم.

وليس هذا من باب الأماني، ولا من باب التعلق بمطلق الغيبيات الذي يحاول التيار العلماني أن يفسر به الحلول الإسلامية المؤصلة، ولكنه حقائق هذا الدين علمًا وعملًا، وتاريخًا وحضارةً وتجربة، وشهاداتٍ من الأعداء تلجمُ أفواه هؤلاء الذين ما فتئوا يطعنون في هذا الدين وحقائقه العقدية والشرعية الكاملة، وها هي تجاربهم العلمانية- على مختلف مدارسها الفكرية- وعلى مدار قرابة المائة عام، لم تقدم فكرًا مؤصلا، ولا مواجهةً لحضارة الغرب، ولا نصرًا على الأعداء، ولا حياةً هنيئةً لشعوبهم المسكينة، بل جرت الأمة إلى ألوانٍ من الهزائم العسكرية والسياسية، والثقافية والاجتماعية والتقنية، ونحن في مزيد.

ولكن ينبغي أن يعلم جميع من يحبُّ هذا الدين، ويفرح بالانتساب إليه، ويرى

فيه الحلول المثلى لواقعنا، أن هذا لا يكفي، وأن مجرد العواطف الجياشة لا تصنعُ شيئًا بمجردها.

بل لابد- إن كنا جادين في أخذ هذا الدين بقوة- من أمورٍ ثلاثة:

الأول: العودة الصادقة إلى هذا الدين والثبات عليه، ونعني بذلك أن تعود الأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت