فهرس الكتاب
وقال تعالى: (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ) (لأنفال:53) .
ومن أول الأمور التي نغير بها حال أنفسنا التوبة النصوح، فهي وظيفة العمر، وطريق الفلاح، والتي تفتح كل عمل خير وبر وصلاح .
ومن ثمَّ الأعمال الصالحة،التي تقرب من رضوان الله عز وجل وجنته، وتبعد عن سخطه وأليم عقابه، ورحم الله أبا الدر داء حيث كان يقول للغزاة: ( يا أيها الناس:عمل الصالح قبل الغزو،فإنما تقاتلون بأعمالكم ) ولله در الفضيل بن عياض حين قال للمجاهدين عندما أرادوا الخروج لقتال عدوهم:
(عليكم بالتوبة، فإنها ترد عنكم ما ترده السيوف)
فابذل الجهد واستحث المطايا إن صنع النجاح ليس مزاجًا
ليس من يعمر البلاد بزيف مثل من يعمر البلاد نجاحًا
أي أخي:
هذا هو الطريق الذي أراه يصلح حالنا ويسمو بكرامتنا،ويعيد عزتنا،ويرفع شأننا.
وإن التوبة والعمل الصالح ومحاسبة النفس ومراجعة الذات،وإعداد هذه النفس إعدادًا إيمانيًا وبدنيًا،والارتباط بالله والتعلق به، كل هذا مفتاح للطريق الذي يعيد لنا المجد بنصاعته.
ومن المتوجب علينا معرفته أن إقامة النصر في الأرض،وإعادة الخلافة الراشدة،لا يقدم ذلك لنا مباشرة على طبق من ذهب بل لا بد من الكلل والتعب،والوصب والنصَّب،حتى يأتينا نصر الله بعد أن علم منا الصدق في القلوب،والصلاح في الأعمال،والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
عقد مقارنة:
من المعلوم قطعًا أن الكفار أعداء الله - ضيعوا أسباب نصرة الله المعنوية لهم من الإيمان بالله وبرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكنهم أبدعوا في صناعة الصواريخ والمتفجرات وأسباب النصرة المادية.
ونحن نعلم كذلك كما قدمت سابقًا أن المسلمين ـ ويا للأسف ـ قد نسوا الله فأنساهم أنفسهم وزاغوا عن الصراط المستقيم ـ إلا قليلًا - وابتعدوا عن طاعة الله والقرب منه وعن أسباب النصرة المعنوية التي تكفل الله لمن فعلها من المسلمين بالنصرة والتأييد ولو كانت قوتهم العسكرية وأسبابهم المادية أضعف من الكفار .
وكذلك فإن المسلمين ضيعوا أسباب نصرتهم المادية فأين هي القنابل الذرية والمتفجرات النووية،وأين الأسلحة والعتاد والقوة والرجال، فلم نسمع لها صفيرًا ولا همسًا، بل علاها الغبار ولم تستخدم في قتال أعداء الله .
ولهذا فإن منطق العقل السليم أن يحكم بالانتصار لمن كانت عنده القوة والأسباب المادية ولو كان مضيعًا للأسباب المعنوية على الذي ضيع أسبابه المادية والمعنوية التي تحق النصر والتأييد؛ ولذلك انتصر الكفار أعداء الله على المسلمين الذين ضيعوا أوامر الله فنساهم سبحانه وضيعهم وقد روت لنا كتب التاريخ أنه في أعقاب معركة اليرموك الشهيرة ،وقف ملك الروم يسائل فلول جيشه المهزوم ، والمرارة تعتصر في قلبه ، والغيظ يملأ صدره ، والكآبة بادية على محياه ( ويلكم أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم ، أليسوا بشرًا مثلكم ؟ ! قالوا: بلى أيها الملك ، قال: فأنتم أكثر أم هم ؟! قالوا:نحن أكثر منهم في كل موطن، قال: فما بالكم إذا تنهزمون ؟!
فأجابه شيخ من عظمائهم: ( إنهم يهزموننا لأنهم يقومون الليل ويصومون النهار،ويوفون بالعهد،ويتناصفون بينهم) البداية والنهاية ( 7/15) .
تلك هي صفات المسلمين؛ولذلك نصرهم الله ولاحت أمام أعينهم أقواس العزة والرفعة في سماء المجد .
فقم بالله أخي لنصرة دينك وأصلح ذاتك فصلاح الذات قبل صلاح الذوات، ومن قاد نفسه قادم العالم، وردِّد:
قم نعد عدل الهداة الراشدين قم نصل مجد الأباة الفاتحين
قم نفك القيد قد آن الأوان شقي الناس بدنيا دون دين
فلنعدها رحمة للعالمين لا تقل كيف ؟ فإنا مسلمون
يا أخا الإسلام في كل مكان اصعد الربوة واهتف بالآذان
وارفع المصحف دستور الزمان واملأ الآفاق إنا مسلمون
مسلمون مسلمون مسلمون حيث كان الحق والعدل نكون
نرتضي الموت ونأبى أن نهون في سبيل الله ما أحلى المنون
هذا هو الدواء لمن وقع في فخ الداء:
والذي أراه يحقق لنا النصر ويعز به هذا الدين بعد التوبة إلى الله أمور ثمانية وهي:
أولاًَ: الاعتصام بكتاب الله تعالى وقراءته وتدبره والعمل بما فيه ، والاعتصام بسنة محمد صلى الله عليه وسلم وأن نقدم كلامهما على كلام أي إنسان، ونبتعد عن كل هوى خالف القرآن والسنة .
ثانيًا: الاهتمام والالتفاف على عقيدة أهل السنة والجماعة،وتطبيقها في أرض الواقع،واحذر أخي ممن يثبط عن تعلم العقيدة،أو يجعل تعلمها في مراحل متأخرة فإنه رجل سوء فلا تجالسه.
ثالثاُ: الإعداد البدني والإيماني،والجهاد في سبيل الله،فإن الجهاد ينبوع العزة،ومعين الكرامة، وهو المجد لمن أراد المجد، والعزَّ لمن أراد العز، و (من مات ولم يغز ولم يحدث بها نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) كما أخبر الصادق المصدوق ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال الإمام ابن تيمية ( فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلًا على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه) مجموع الفتاوى (10/193) .
رابعاُ: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب لدين الله - عز وجل - وهذا أمر فرضه الله عز وجل علينا فقال: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر ) ) (آل عمران: من الآية110) .