فهرس الكتاب
* لا يعفى أحد من أفراد الأسرة - وهو قادر على العطاء ، والنفع - ولئن جاء الحديث أكثر عن الدعاة ، وطلبة العلم ، فذلك لمزيد مسئوليتهم ، وإلا فقد ينفع الله بجهود عامي في الأسرة أكثر من غيره ، وقد ينفع الله بجهود امرأة أكثر من جهد رجل .. وهكذا فالمسئولية مشتركة - في خدمة الأسرة ، ودعوتها للخير - بين الرجال ، والنساء ، والشباب ، والشيوخ ، والأغنياء ، والفقراء ، والعالمين ، والعوام ] ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها .. وكلنا يقرأ قوله تعالى: ] وأنذر عشيرتك الأقربين وكلنا مخاطب بقوله: ( ص ) (( بلغوا عني ولو آية ) )، وقوله: (( من رأى منكم منكرأً فليغيره بيده …الخ ) )
* ليحرص كل فرد في الأسرة أن يكون عنصر بناء ، ومشعل خير ، وليحذر أن يكون عنصر هدم ، أو سببًا للفرقة والضغينة ، وفرق بين من يؤلف ، ويجمع ، ويهدي ، ويحسن ، وبين من يُفرق ، ويُكدر، ويُسيء ، ويهدم.
* وعلى أصحاب الدعوة في أسرهم ، وعشائرهم أن يتنبهوا ألا تكون هذه الوسائل ، أو شيء منها سببًا للخلاف والفرقة ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
* ولا تستغرب إذا جاء الحديث مركزًا أكثر على الدعوة في الأسرة ، ولربما كانت الدعوة في العشيرة و الأقربين أقرب الطرق ، وأمثل الوسائل في حماية الأسرة ، بل وفي تفعيل أفرادها ، واستثمار طاقاتها في الخير ، والدعوة لدين الله . لقد قلت من قبل ، وأقول اليوم إن الرهان قائم على الأسرة إصلاحًا ، أو إفسادًا بين المسلمين ، وبين أعدائهم ، وكلما غاب المسلمون ، أو غفوا عن التوجيه ، والعناية بالأسرة .. كلما تسلل الأعداء ، وأفسدوا ، وحققوا ما يريدون ، أو بعضه .. فهل ندرك شراسة الهجمة على الأسرة ؟ وهل نقاوم هذا المد المفسد بالدعوة ، والإصلاح ؟
* وتنبيه أخير أن هذه الخطبة ، وما سبقها دعوة ، وتذكير ، ودعوة للأسر التي لم تتنبه لهذا الأمر بعد أن توليه ما يستحق من العناية ، وتذكير للأسر التي خطت في هذا الطريق خطوات أن تستمر وتتجدد ، وأن تنقل تجاربها الناجحة للآخرين - إن طوفان الفساد جارف ، وإن معدلات الجريمة مرتفع ، والدعوة في الأسرة ، و الأقربين خير معين للجهات الحكومية المعنية بالدعوة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والجهات المعنية بمكافحة الجريمة ، والحفاظ على الأمن .. وبالتالي فمهمة الدعوة في الأسرة مسئولية الأفراد ، والجهات الحكومية ، ورجالات العلم ، والدعوة ، والمفكرين .. إنها مسئولية المؤسسات العلمية ، والتربوية ، والإعلامية - إنها مسئوليتنا جميعًا حتى لا تغرق السفينة ، إننا أمة خير ، وفي مجتمعنا ، وأسرنا خير والحمد لله لكن لا بد من فعل الأسباب ، ولابد من معرفة قوارب النجاة ، ومن تذكر فإنما يتذكر لنفسه.
فتنة مسايرة الواقع
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:
فإن من علامة توفيق الله عز وجل لعبده المؤمن أن يرزقه اليقظة في حياته الدنيا ؛ فلا تراه إلا حذرًا محاسبًا لنفسه خائفًا من أن يزيغ قلبه ، أو تزل قدمه بعد ثبوتها ، وهذا دأبه في ليله ونهاره يفر بدينه من الفتن ، ويجأر إلى ربه عز وجل في دعائه ومناجاته يسأله الثبات والوفاة على الإسلام والسُّنَّة غير مبدل ولا مغير .
وإن خوف المؤمن ليشتد في أزمنة الفتن التي تموج موج البحر والتي يرقق بعضها بعضًا ، وما إدخال زماننا اليوم إلا من هذه الأزمنة العصيبة التي تراكمت فيها الفتن ، وتزينت للناس بلبوسها المزخرف الفاتن ، ولم ينج منها إلا من ثبته الله عز وجل وعصمه . نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم .
وأجدها فرصة أن أتحدث عن فتنة شديدة تضغط على كثير من الناس فيضعفون أمامها ، ألا وهي فتنة مسايرة الواقع وضغط الفساد ومسايرة العادات ، ومراعاة رضا الناس وسخطهم ، وهي فتنة لا يستهان بها ؛ فلقد سقط فيها كثير من الناس وضعفوا عن مقاومتها ، والموفق من ثبته الله عز وجل كما قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ ) [إبراهيم: 27] .
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذه الآية: ( تحت هذه الآية كنز عظيم ، من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم ، ومن حرمه فقد حرم ) [1] .
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال له ربه تبارك وتعالى: ( ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) [الإسراء: 74] فسواه من الناس أحوج إلى التثبيت من ربه تعالى ، وفي هذا تأكيد على أهمية الدعاء وسؤال من بيده التثبيت والتوفيق وهو الله سبحانه وتعالى .
ذكر بعض الصور لفتنة مسايرة الواقع والتقليد الأعمى:
إن فتنة مسايرة الواقع والتأثر بما عليه الناس لتشتد حتى تكون سببًا في الوقوع في الشرك الموجب للخلود في النار عياذًا بالله تعالى؛ وذلك كما هو الحال في شرك المشركين الأولين من قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم من مشركي العرب ، فلقد ذكر لنا القرآن الكريم أنهم كانوا يحتجون على أنبيائهم عليهم السلام عندما واجهوهم بالحق ودعوهم إلى التوحيد وترك الشرك بأنهم لم يسمعوا بهذا في آبائهم الأولين ، وكانوا يتواصون باتباع ما وجدوا عليه آباءهم ويحرض بعضهم بعضًا بذلك ويثيرون نعرة الآباء والأجداد بينهم . وسجل الله عز وجل عن قوم نوح عليه الصلاة والسلام قولهم: (مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ) [المؤمنون: 24] .