الصفحة 2319 من 3812

وقيل: بل الآية على ظاهرها وعمومها ، لا إشكال فيها بحمد الله؛ فإن الله سبحانه ضمن أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا ، فحيث كانت لهم سبيلٌ ما عليهم فهم الذين جعلوها بتسببهم ترك بعض ما أقروا به، أو ارتكاب بعض ما نُهوا عنه؛ فهم جعلوا لهم السبيل عليهم بخروجهم عن طاعة الله ورسوله فيما أوجب تسلط عدوهم عليهم في هذه الثغرة التي أدخلوها ، كما أخلى الصحابة يوم أُحد الثغرة التي أمرهم رسول الله بلزومها وحفظها ؛ فوجد العدو منها طريقًا إليهم ، فدخلوا منها) [2] .

والحاصل مما سبق: أن معرفة السنة السابقة لا تفهم حق الفهم إلا بمعرفة الله عز وجل وتوحيده ؛ فإنه سبحانه لا يريد بعباده إلا الخير والرحمة ، ولو تسلط الأعداء في وقت ما فإن عاقبة هذا التسلط هي الخير والتمكين ؛ وذلك أن المؤمنين عندما يتسلط عليهم أعداؤهم وينالونهم بالأذى يدركون من واقع قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )أن ما أصابهم إنما هو بذنوبهم ؛ فيكون الخير في تسلط الأعداء هو تغيير ما بالنفوس من خلل ، وإحداث التوبة والاستغفار ، وترك ما أوجب حلول المصيبة ، وهذا خير في حد ذاته لم يكن ليظهر لو استمر النصر والتمكين مع وجود المعاصي ، وضعف الإيمان ؛ لأنه والحالة هذه يستمر الفساد بدون إصلاح .

وهذا هو معنى السنة الثابتة التي لا تتغير، ألا وهي قوله تعالى:

ج-) ( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد: 11] .

ومثلها قوله تعالى: (( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [الأعراف: 96] . والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًًّا .

د- قوله تعالى: (( وَلا يَحْسَبَنَّ الَذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) ) [آل عمران: 178] .

هذه الآية ترسم ميزانًا قويمًا ثابتًا في أن إغداق النعم على العبد ليس علامة على كرامة الله له ومحبته إياه، ولا يدل على أنه في خير وسعادة ، بل الغالب أن وراء الإملاء والنعم شرًّا وعذابًا ، وفي هذا الميزان توجيه للناس إلى حقيقة الابتلاء بالخير والشر، وألا تكون موازينهم في السعادة والتعاسة هي النظر إلى كثرة النعم أو قلتها ؛ فكم كان الرخاء سببًا للعذاب دنيًا وأخرى ، وكم من أناس صالحين حرموا في هذه الدنيا من نعمة المال والأولاد ، ولكنهم في خير وسعادة دنيًا وأخرى . وهذه المعاني العظيمة لا يمكن إدراكها إلا في ضوء التوحيد وأنواره ، وصدق الله العظيم: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم ) )والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا ، أذكر منها قوله تعالى: (( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ) [التوبة: 55] .

7-التؤدة والأناة وعدم الاستعجال:

وهذه هي الثمرة السابعة من ثمار قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )فإذا كان العبد لا يعلم أين يكون الخير والشر فيما يقضيه الله سبحانه إلا في ضوء ما أعلمه الله عز وجل عباده من السنن والثواب ، فإنه والحالة هذه لا ينبغي له أن يتعجل الأمور أو يحلل المواقف والأحداث قبل دراستها والبحث في جوانبها ،متجردًا في ذلك لله عز وجل ، مهتديًا بالموازين والسنن الثابتة التي ذكرها الله سبحانه في كتابه، وعلى لسان رسوله، وإذا وُفّق العبد إلى هذا الفضل:فإنه في الغالب يصدر عن الحق ، وينطق بالحق، وتنشأ عنده صفتا الحلم والأناة اللتان يحبهما الله عز وجل .. وكم رأينا من أناس تعجلوا أمورهم قبل أوانها فكانت نتيجتها وبالًا وشرًّا ، وكم سئم أناس من نعمة أنعم الله بها عليهم فتقالّوها وملّوها وأرادوا غيرها ، فلما جاءهم ما أرادوه وتعجلوه أصابهم منه ضررٌ ونكدٌ وندمٌ .

ومن صور الاستعجال التي يمكن معالجتها بهذه السنة: ما نراه من تعجل بعض الطيبين من الغيورين على هذا الدين في قطف ثمرة جهدهم ، وتعريض أنفسهم للابتلاء ، وتمنيهم لمواجهة الأعداء ... وينسون أو يغفلون عن قوله: (( لا تمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا ) ) [3] .

لأن المرء لا يدري ما تؤول إليه الحال عند مواجهة العدو ، ومشاهدة الأهوال . وقد يتمنى العبد حالة معينة ويستعجلها بتصرفه الجاهل بعواقب الأمور ، ولكن الله عز وجل برحمته يحول بينه وبين هذا الأمر لما يعلمه سبحانه من الشر والفتنة على عبده من هذا الأمر؛ فكم من أناس استعجلوا البلاء قبل أوانه ، فلما أصبحوا تحت وطأته: ضعفوا وانتكسوا والعياذ بالله فحريّ بالمسلم أن يسأل ربه الدلالة على ما فيه الخير والصلاح ، وعلى ما فيه مرضاته عز وجل ورحمته .

مما سبق يتبين لنا فضل التؤدة والأناة ، وأنها من ثمرة العلم بالله عز وجل وتوحيده وأسمائه وصفاته ، وأنه عز وجل يقدر الوقت المناسب لنصر أوليائه بعد أن يكونوا قد أخذوا بأسباب النصر وأعدوا عدته ، وأنه سبحانه هو العليم الحكيم والبر الرحيم بعباده ، فلا يؤخر عنهم شيئًا، ولا يقضي عليهم أمرًا إلا وفيه الخير والرحمة ، ولكن العبد القاصر والجاهل بعواقب الأمور يستعجل أمر ربه الرحيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت