فهرس الكتاب
إن القلب لا يصدق عليه أن يوصف بكونه سليمًا صحيحًا حتى ينضم إلى ما ذكر سابقًا سلامته من أمراض الكبر والفخر والخيلاء ؛ فإن العبد المؤمن متى ما عرف ربه عز وجل وتعبد له بأسمائه وصفاته فإن المسكنة والمحبة لله عز وجل سوف تملأ القلب ؛ وينتج عن ذلك: التواضع للحق وإيثاره ، والتواضع للخلق ، وعدم غمهم وظلمهم ، بل لا ترى مَن هذه صفته إلا محبًّا للخير والإحسان للناس، ولا تراه إلا محقرًا لنفسه، منشغلًا بعيوبها عن عيوب الناس ؛ لأنه يشهد حكمة الله عز وجل في ابتلائه لعبده بالخير والشر . ولأن أسباب الكبر والتعالي على الناس لا تخرج عن كونها اغترارًا بنعمة دينية أو دنيوية ، وأنه إذا أيقن العبد المؤمن أن هذه النعم إنما أعطاها الله لعبده ليبلوه أيشكر أم يكفر ؛ فإن الخوف على النفس من هذا الابتلاء سيشغله عن التعالي على الناس، أو الفخر عليهم ، وكيف يكون ذلك وهولا يدري أين يكمن الخير أو الشر ؟ ! ولعل هذه النعمة التي يفتخر بها فتنة له ومتاع إلى حين، أو أن الذي يفخر عليه ممن هو دونه يكون في خير ورحمة مفتوحة من الله عز وجل عليه ، والناس يحسبون أنه في ضيق وشر !
5-محاسبة النفوس والانتباه إلى خطر المعاصي وشؤمها على الفرد والمجتمع:
إن من ثمار هذه السنة الكريمة أن ينتبه العبد المؤمن إلى نفسه ويحاسبها على تفريطها وذنوبها وهذا بعض الخير الذي يجعله الله فيما يراه الناس شرًّا ومصيبة ؛ حيث إن المصائب والشرور المقدرة على العبد المؤمن غالبًا ما تكون تكفيرًا للذنوب ، سوإيقاظًا له من الغفلة ، ومجالًا لتطهير النفس من أدران المعاصي والسيئات .ومتى ما حصلت هذه الثمرة العظيمة في القلب فإن المصيبة والنقمة تصبح في حقيقة الأمر خيرًا ونعمة لصاحبها ؛ وصدق الله العظيم: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) ).
أما إذا حصل العكس من ذلك والعياذ بالله وذلك بأن كانت المصيبة سببًا في مزيد من الغفلة أو التسخط على أقدار الله تعالى ؛ فإن المصيبة والحالة هذه لا تعتبر خيرًا لمن وقعت عليه ، لكنها قد تكون خيرًا لغيره عندما يحصل الاتعاظ والعبرة بحال من وقعت له المصيبة .
6-التعرف على سنن الله (عز وجل) في التغيير ، والسير على هداها:
إن إدراك معاني أسماء الله عز وجل وآثارها ومقتضياتها يفتح في قلب المؤمن منافذ عديدة على سننه عز وجل التي لا تتبدل ولا تتحول ، وبخاصة إدراك آثار حكمة الله (عز وجل) ورحمته ولطفه وإحسانه ، ولقد مرّ بنا كيف أن فقه قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )يطبع في القلب شعورًا برحمة الله عز وجل وخيره وبره ، وأن كل ما يقضيه عز وجل هو عين الخير والمصلحة والحكمة ، وهذا الشعور يؤدي بدوره إلى فتح القلب والفكر على سنن الله عز وجل التي تنبثق من هذه المعرفة ، وعندما تحصل هذه المعرفة لسنن الله عز وجل في التغيير: فإن الفكر البشري ينضبط ويستقيم ولا تتقاذفه الثقافات المادية ذات اليمين وذات الشمال ، وبذلك يسلم من التفسيرات المادية للأحداث ، والتي تربط كل المتغيرات بأسباب مادية بحتة ؛ كتلك التي تربط النصر والهزيمة بأسباب مادية ، أو تلك التي تفسر العقوبات الربانية كالزلازل والأعاصير بكونها ظواهر
فلكية بحتة ، متجاهلين قدر الله وحكمته .
كما أن هذه المعرفة تثمر أيضًا: معرفة الموازين المنضبطة الثابتة التي توزن بها الأمور والأحوال والأشياء ، وحُقّ لها أن تكون بهذه المثابة ؛ لأنها من عند الله عز وجل الحكيم ، العليم ، الرحيم ، الودود ، الذي يعلم ما كان وما سيكون ، والذي له الكمال المطلق ، وهو الغني الحميد . وهو سبحانه يقول الحق ، ويقصّ على عبيده رحمة منه وفضلًا جانبًا من أسرار سنته وقدره ليأخذ الناس حذرهم وليعتبروا ويتعظوا ، وليدركوا الرحمة والخير والحكمة الكامنة وراء هذه السنن الربانية والموازين الإلهية ، والتي بدورها تؤدي إلى معرفة المنهج الصحيح للتغيير ، كما تؤدي إلى المنهج الصحيح لتقويم الأمور ووزنها بالميزان الحق
ولقد مر بنا في الثمرات السابقة بعض السنن الربانية التي يهتدي إليها القلب العامر بمعرفة الله عز وجل وتوحيده ، ولكن نخص هنا بعض السنن بشيء من التفصيل ، وذلك فيما يلي:
أ- العاقبة للمتقين: إن وعد الله عز وجل لا يتخلف ، وكلمته لا تتبدل ،
ولقد قال وقوله الحق: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ ) ) [الصافات: 171- 173] هذا وعد الله سبحانه ،ولو تأخر وأبطأ على عباده فإن من وراء ذلك التأخير حكمة وخير .
ب- ويتعلق بهذه السنة سنة أخرى في معناها ، وهي قوله تعالى: (( وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) ) [النساء: 141] .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى الآية: (قيل: بالحجة والبرهان، فإن حجتهم داحضة عند ربهم ، وقيل: هذا في الآخرة وأما في الدنيا فقد يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى، وقيل: لا يجعل لهم عليهم سبيلًا مستقرة، بل وإن نصروا عليهم في وقت فإن الدائرة تكون عليهم ، ويستقر النصر لأتباع الرسول .