فهرس الكتاب
عندما يعلم العبد المؤمن أن كل ما يقضيه الله عز وجل هو عين الحكمة والرحمة ، والخير ، سواء في العاجل أو الآجل ، فإن هذه المعرفة تضفي على القلب شعورًا بالأنس والسعادة والطمأنينة والسكينة، مهما اشتدت المصائب، وتوالت المحن ؛ وبذلك يسلم صاحب هذا القلب من تلك الأمراض والوساوس التي تفتك بكثير من الناس الذين حرموا مثل هذه المعرفة العظيمة بربهم ، نعم سوف لا يخيم على نفسه ما يخيم على النفوس اليائسة ، من الشعور بالقلق والاكتئاب وانكساف البال ، تلك الأشياء التي تجر وراءها من مصائب الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا الله عز وجل . وسوف يريحه هذا الشعور من الأفكار المتعبة التي تنشأ من كثرة الاختيارات والترددات، التي هي منشأ القلق والهم والغم.
إن التسخط وعدم الرضى بما قضاه الله عز وجل باب إلى الهم ، والغم ، والحزن ، وشتات القلب ، وسوء الحال ، والظن بالله ظن السوء ، ولا يدفع ذلك كله إلا معرفة الرب عز وجل بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا ، والتعبد له سبحانه بها ، والعمل بمقتضاها ، والذي يولد في النفس الرضى بما يختاره الله عز وجل، وأنه أرحم بعبده من نفسه: (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [ آل عمران: 66] .
4-سلامة القلب:
عندما يمتلئ القلب بتوحيد الله عز وجل ومعرفته سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، ويمتلئ باليقين بوعده ، والثقة بحكمته ، وانتظار رحمته ؛ فإن كل ذلك يضفي على القلب صفاءً ونورًا وطهارة تُسل بها من القلب أمراض كثيرة ؛ فيصبح القلب بعدها سليمًا صحيحًا ، وينعم به صاحبه في الدنيا والآخرة ؛ قال تعالى في وصف إمام الحنفاء عليه الصلاة والسلام: (( إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ) [الصافات: 84] وقال تعالى حكاية لدعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ) [الشعراء: 87 89] .
ومن أهم مظاهر سلامة القلب التي تحصل بهذه المعرفة ما يلي:
أ- السلامة من أمراض الحقد والحسد والشحناء:
وذلك لأن الذي يوقن بحكمة الله عز وجل ورحمته في كل ما يقضيه من أقضية كونية وشرعية: يعلم علم اليقين أن لله عز وجل الحكمة البالغة في إعطاء من يشاء ، ومنع من يشاء ، وإعزاز من يشاء ، وإذلال من يشاء . وهذا العلم لابد أن يثمر الرضى بما يقدره الله عز وجل ويقضيه على الناس ؛ وبذلك تزول الشحناء والأحقاد المتولدة عن الحسد المتولد أصلًا من معارضة أقدار الله عز وجل والتسخط لها .
ب- لسلامة من أمراض الخوف والطمع:
إن المؤمن الراضي بربه والموقن بحكمته وبره ولطفه لا تجده إلا قانعًا بما آتاه الله عز وجل ، مطمئنًا إلى اختيار الله سبحانه له ؛ لأنه عز وجل أعلم بما يصلح للعبد من نفسه ، وهذه الثمرة تقضي على هذا الداء الخطير ( داء الطمع والحرص والتهالك على الدنيا وزينتها) ؛ لأن القلب الراضي المفوض أمره إلى الله (عز وجل) قد امتلأ غنى وقناعة ومحبة وتوكلًا على الله سبحانه ؛ فحري بقلب هذه صفته ألا يكون فيه محل لمحبة غير الله ، وهذه الثمرة يتولد عنها ثمار طيبة ، منها: عدم الأسى على ما فات ، وعدم الفرح بما هو آت ؛ قال تعالى: (( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تًَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ) [الحديد: 22 ، 23] ،
والعبد المؤمن لا يدري أين يكون الخير ، أهو في الفائت أم الآتي ؟ ولكن الله وحده هو الذي يعلم ، وهو علام الغيوب .
كما أنها تثمر أيضًا: الزهد في الدنيا ، والحذر منها ، فكم فرح بالدنيا أناس فكانت سبب هلاكهم وشقوتهم ؛ قال تعالى: (( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) ) [الشورى: 27] .
وكيف يسكن الخوف والهلع في قلب من اطمأن إلى حكم ربه، وأحسن الظن به، وفوض أموره إليه . إن الخوف والهلع سواءً أكان على الرزق أو الأجل لا يكونان إلا عند من لم يعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أما لو عرف ربه عز وجل ، وأنه رحيم ودود، وأنّه حكيم عليم ، وأنه لطيف خبير .. معرفة حقيقية يتعبد لربه بها: فإن الاطمئنان والسكينة تعمران القلب ، وتنفيان كل دواعي الخوف والوجل من المخاليق الضعفاء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن أن يملكوا شيئًا من ذلك لغيرهم . ويبقى صاحب هذا القلب مطمئنًا إلى حسن اختيار الله له ، يستشرف رحمة ربه وخيره في كل ما يقضيه الله عليه ؛ ولو ظهر في هذا المقضي من الشر والألم ما ظهر ، فمن يدري ؟ ! فلعل في طيات المحنة منحة ونعمة .
ج- السلامة من أمراض الكبر والخيلاء: