فهرس الكتاب
خامسًا: كثرة المشاكل والمصائب في زماننا هذا ، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات ، التي أدت إلى ظهور كثير من الأمراض النفسية المعقدة: كالقلق ، والاكتئاب، والفصام .. وغيرها ، حتى أصبحت سمة لواقعنا المعاصر، ومعرفة الله سبحانه بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته التي تزرع في القلب الاطمئنان والرضا، وتفويض الأمور إليه سبحانه، وحسن الظن به عز وجل، وأن اختيار الله لعبده أحسن من اختيار العبد لنفسه ، ولو ظهر ما يكرهه العبد ويؤذيه: إن في تفهم قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم ) ) [النور: 11] أحسن علاج لهذه الأمراض وغيرها .
سادسًا: إن في هذه السنة وفهمها طريقًا موصلًا إلى الفقه بقاعدة الشرع العظيمة ، التي بنيت عليها أحكام الشرع ؛ ألا وهي: اليسر ورفع الحرج والمشقة، وأن الله عز وجل لا يريد بعباده إلا اليسر والرحمة، سواء أكان في أحكامه الكونية القدرية، أو الدينية الشرعية .
(1) مفتاح دار السعادة: ص326 .
من ثمرات هذه السنة
إن لتَفَهّم هذه السنة الكريمة وتذكرها دائمًا أثرًا كبيرًا في القلب ، يظهر جليًّا في المواقف ، وبالذات في مواقف الشدة والبلاء ؛ فكان لزامًا على المسلم ، وبخاصة الداعية المجاهد ، ألا يغفل عن هذه الثمرات المنبثقة من قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )، وثمار الإيمان بهذه السنة واليقين بها كثيرة ،
أذكر منها ما يلي:
1-حقيق العبودية لله (عز وجل) بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا:
إن الله عز وجل لم يعرفنا على أسمائه وصفاته لنحفظها ونعدها فقط ، وإنما المقصود الأسنى من معرفة أسمائه عز وجل وصفاته: أن ندعوه بها ، وأن نتعبد له سبحانه بها ؛ قال الله تعالى: (( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) ) [الأعراف: 180] إن في كل اسم من أسمائه سبحانه عبودية على العبد ، يجب أن تظهر آثارها في القلب ، وعلى الجوارح ، وفي المواقف .
فمن الأسماء الحسنى التي يتعبد لله عز وجل بها من خلال معرفة هذه السنة: الحكيم ، العليم، البر ، الرحيم ، الودود ، اللطيف .. وغيرها . فعندما يؤمن العبد المسلم بهذه الأسماء فإنها تثمر الإيمان بحكمة الله عز وجل في كل أحكامه الكونية والشرعية ، وتضفي على القلب الأنس ، وإحسان الظن بالله عز وجل ، والرضا بقضائه ، وأنه بر رحيم ، لا يريد بعباده إلا الخير والتيسير والرحمة ، وأن من لطفه سبحانه أن يأتي بالخير لعبده المؤمن من حيث يظن أنه شر ومكروه ، وهذا
من معاني اسمه سبحانه اللطيف .
يقول الشيخ السعدي رحمه الله: ( ومن معاني اللطيف: أنّه الذي يلطف بعبده ووليه ، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر ، ويعصمه من الشر من حيث لا يحتسب ، ويرقّيه إلى أعلى المراتب ، بأسباب لا تكون من العبد على بال ، حتى إنّه يذيقه المكاره ، ليوصله إلى المحاب الجليلة ، والمطالب النبيلة ) [1] .
إن اليقين بلطف الله تعالى ينفي الشعور باليأس والقنوط من مجيء فرج الله ونصره ، وينشيء مكانه الأمل والثقة بوعد الله ونصره ، كما أنه ينشيء في القلب الافتقار إلى الله عز وجل وتفويض الأمور إليه ، وسؤاله عز وجل دائمًا حُسْنَ العاقبة والاختيار .
وبقيت كلمة أخيرة في هذه الثمرة أنصح بها نفسي وإخواني طلاب العلم ؛ وذلك بأن نحرص أشد الحرص ونحن ندْرس أو نُدَرّس أبواب التوحيد المختلفة على ألا نكتفي بالدراسة العلمية الذهنية المجردة فقط ، وإنما نسعى جاهدين في ربطها بأعمال القلوب ، وما تثمره فيها من أنواع العبوديات المختلفة التي يجب أن يظهر أثرها في المواقف والسلوك وجميع التصرفات ، والله المستعان .
2-الصبر على البلايا والمصائب وقوة الاحتمال:
وهذه الثمرة لها علاقة بما قبلها ؛ فعندما يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته ويتعبده بها ، فإنها تثمر في القلب ثباتًا ، ورباطة جأش، وصبرًا أمام الابتلاءات والمصائب؛ فلا يضعف ولا يخور وهو يعلم أن ربه الرحيم الحكيم ، اللطيف الخبير، الودود الغفور: هو الذي قدرها عليه ، وأنه لم يقدرها ليعذبه ويشقيه، ولكن ليرحمه ويرده إليه .. عند ذلك يفوض أمره إلى ربه ، ويرضى بما يختار له مولاه سبحانه، ويعلم أنه هو الذي يمده بالقوة والعزيمة، والصبر وحسن العاقبة .
إن هذا الشعور يملأ القلب قوة وصبرًا واحتمالًا أمام الشدائد ؛ لقوة الرجاء في الله عز وجل ، واليقين بفرجه ونصره ، واليقين بحسن العاقبة من الله عز وجل فيما أعده للصابرين ؛ قال تعالى: (( إن تَكُونُوا تًَالَمُونَ فَإنَّهُمْ يًَالَمُونَ كَمَا تًَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ) [النساء: 104] .
وإن مما يقوي الصبر على الشدائد يقين العبد أن ما أصابه إما أن يكون تكفيرًا لذنوبه ، أو سببًا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه .
فإذا أيقن العبد المبتلى أن العاقبة الحميدة من النصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة لا يوصل إليهما إلا على جسر التعب والمشقة: فإنه بذلك يقوى صبره ، واحتماله ، وبذله وتضحيته في سبيل الله عز وجل ، مع تفقد النفس من الذنوب ، وتنقية الصف من المنافقين ، فذلك من أسباب النصر
3-سعادة القلب وطمأنينته وسكينته: