الصفحة 2315 من 3812

ولن يكون الكلام هنا عن تلك السنة ، وإنما سينصب الاهتمام على سنة عظيمة تنبثق عنها السنة السابقة ، والله سبحانه يبينها لنا من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلا ، حيث إن الجهل بها أو الغفلة عنها بعد معرفتها يسهم أيضًا في مزيد من اليأس والقنوط ، أو الجزع والتسخط ، أو الاندفاع والعجلة والتهور ، وهذه وقفات مع قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم ) ) [النور: 11] .

هذه الآية توجيه رباني في إحسان الظن بالله عز وجل ، والثقة بحكمته ورحمته ، وأنه (سبحانه) لا يريد بعباده المؤمنين إلا الخير (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ) ) [البقرة: 185] وهذا بدوره يبث الأمل في النفوس إزاء المصائب ، ويبث الأمل في الأمة بأن المستقبل لهذا الدين مهما تسلط أعداؤه عليه ، وكادوا له كيدًا (( إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) ) [الطارق: 15 17] ، وهو ضروري كذلك لإدراك أن رحمة الله (عز وجل) سبقت غضبه في كل ما يقدره على عباده المؤمنين ( ) كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ )) [الأنعام: 54] .

وما أجمل ما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا المعنى ، ومما ذكره: قد شهدت الفطر والعقول بأن للعالم ربًّا قادرًا ، حليمًا ، عليمًا ، رحيمًا ، كاملًا في ذاته وصفاته ، لا يكون إلا مريدًا للخير لعباده ، مجريًا لهم على الشريعة والسنة الفاضلة العائدة باستصلاحهم ، الموافقة لما ركب في عقولهم من استحسان الحسن ، واستقباح القبيح [1] .

وسيأتي إن شاء الله في ثنايا البحث من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواقف العملية التي تظهر لنا منها ثمار هذه السنة الكريمة ، وبخاصة في واقعنا المعاصر المليء بالشبهات ،والشهوات ، والمتناقضات ، والمكائد ، والمؤامرات ما يزيد الموضوع بيانًا .

أهمية الموضوع:

تتضح أهمية الموضوع في الأمور التالية:

أولًا: علاقة هذه السنة بالعقيدة قوة وضعفًا ؛ فكلما قوي الإيمان بالله سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته: كلما قوي الفهم لهذه السنة ، وأثمرت في القلب ثمارها الطيبة . والإيمان بهذه السنة والاصطباغ بها هو مقتضى الرضا بالله ربًّا ومعبودًا ، ومقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلا ؛ حيث إن هذه السنة من ثمرات أسمائه سبحانه الحسنى ، التي منها: الحكيم ، والعليم ، والكريم ، واللطيف ، والبر الرحيم .. وغيرها من الأسماء والصفات التي يجب التعبد لله سبحانه بها . كما يظهر الارتباط بين هذه السنة وبين التوحيد في: أثرها على صدق التوكل على الله عز وجل ، وتفويض الأمور إليه ، واليقين والثقة بوعده ، وإحسان الظن به جل وعلا ، وأنه سبحانه لا يريد بعباده المؤمنين إلا الخير والإصلاح ، فمهما ظهر من الشرور والمصائب ، فله سبحانه الحكمة البالغة (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) ( آل عمران: 66) وأما ارتباطها بالأصل الخامس من أصول الإيمان ألا وهو الإيمان باليوم الآخر فهذا واضح ؛ لأن اليقين باليوم الآخر ورجاء الأجر من الله عز وجل يقويان الارتباط بهذه السنة في أن الآخرة خير وأبقى ، مهما فات من هذه الدنيا .وأما علاقتها بالأصل السادس من أصول الإيمان وهو الإيمان بالقدر خيره وشره فهذا ظاهر لا يحتاج إلى تعليق .

ثانيًا: ما نراه اليوم في واقعنا المعاصر من الضغوط الشديدة والحرب الشرسة من أعداء هذا الدين من اليهود والنصارى والمنافقين والمفسدين ، وما يكيدون به لهذا الدين وأهله من المكر والتشويه والابتلاء ؛ مما أدى ويؤدي إلى ظهور حالات اليأس والإحباط من تغير الحال ، أو الشعور بالهزيمة النفسية والهوان والاستكانة ، فكان لابد من التذكير بهذه السنة العظيمة التي تقوي اليقين بوعد الله سبحانه , والثقة بنصره ، والاطمئنان إلى قضائه وتدبيره ، وأنه سبحانه الحكيم العليم فيما يقضي ويقدر ، ولابد أن يأتي الخير بعد الشر عندما يأذن الله سبحانه في ذلك وفق علمه الشامل ، وحكمته البالغة ، وسننه التي لا تتبدل ولا تتحول .

ثالثًا: الجهل الحاصل عند بعض المسلمين بسنن الله سبحانه في التغيير ، أو التغافل عنها بعد معرفتها ، لا سيما وأن في فهم قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم ) ) [النور: 11] .

خير معين لتفهم سنن الله عز وجل الأخرى: كما في قوله تعالى: (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) )(الرعد: 11( ز

وفي هذه المعرفة فتح باب للمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله سبحانه ، كما أن فيها وقاية من التخبط والاضطراب في المنهاج والاجتهادات ، كما أن في دراسة هذه السنة وربط الأحداث والوقائع بها أكبر ضمانة للعقل المسلم من أن يتأثر بالتصورات الجاهلية ، والتفسيرات المادية للتاريخ والأحداث التي سيطرت اليوم على كثير من عقول المسلمين المتأثرين بوسائل الإعلام المادية وبالثقافات التي لا تؤمن بالله ، ولا باليوم الآخر ، ولا بالقدر خيره وشره .

رابعًا: التنبيه إلى طلب الخِيَرة من الله سبحانه في كل الأمور، وتفويض الأمور إلى حسن تدبيره عز وجل واختياره ؛ لأنه سبحانه يعلم ولا نعلم ، ويقدر ولا نقدر ، وهو علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما سيكون ، ويعلم أين يكون الخير ، وأين يكمن الشر ؛ ولذلك جاء التوجيه إلى دعاء الاستخارة في الأمور كلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت