الصفحة 2321 من 3812

2-ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب ؛ فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت: دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا ، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبّب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة ، وتكلموا بما كانوا يكتمونه ، وعاد تلويحهم تصريحًا، وانقسم الناس إلى كافر ، ومؤمن ، ومنافق ، انقسامًا ظاهرًا ، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًا في نفس دورهم ، وهم معهم لا يفارقونهم ، فاستعدوا لهم ، وتحرزوا منهم ؛ قال الله تعالى: (( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَلكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ) ) [ال عمران: 179]

أي: ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين ، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق ، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه ، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزًا مشهودًا ، فيقع معلومه الذي هو غيب شهادةً .

3-ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء ، وفيما يحبون وما يكرهون ، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًّا ، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية .

4-ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا ؛ لطغت نفوسهم ، وشمخت ، وارتفعت ؛ فلو بسط لهم النصر والظفر ، لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق ، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء ، والقبض والبسط .

5-ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا وركونًا إلى العاجلة ، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة ، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته: قيّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواءً لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه ، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه .

6-ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه ، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته ، ويؤثرون رضاه ومحابه على أنفسهم . ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو .

7-ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم ،قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ، ومن أعظمها بعد كفرهم: بغيهم، وطغيانهم ، ومبالغتهم في أذى أوليائه ، ومحاربتهم ، وقتالهم ، والتسلط عليهم ؛ فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم . وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: (( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ ) ) [آل عمران: 141] [2] .

مواقف من السلف:

1-الموقف الأول: محنة الإمام أحمد ابن حنبل ( رحمه الله تعالى ) :

وما أظن أحدًا من المسلمين يجهل المحنة التي تعرض لها أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ؛ وذلك فيما يعرف بفتنة القول بخلق القرآن ، وقد تعرض هذا الإمام الجليل لمحنة وبلاء عظيم ؛ تلك المحنة كانت مؤذية له رحمه الله ، ومؤذية للمسلمين معه ، ولكن الله عز وجل ثبّته في هذه المحنة العظيمة ، وحمى به عقيدة أهل السنة من الانحراف أو الاندثار ، ولقد كانت هذه البليَّة لإمام

السنة خيرًا له فيما بعد ؛ فما كان لينال هذا الخير لولا هذا الابتلاء وما من الله به عليه من الثبات والتضحية .

2-شيخ الإسلام ابن تيمية وسجنه:

وكذلك لا أظن أحدًا من أهل العلم يجهل هذا الرجل العظيم ، وما ضحى به في سبيل الله عز وجل بعلمه وجهاده وصبره وما لاقى في ذلك من السجن والإبعاد، ولكن كان في ذلك الابتلاء خيرله ورفعة ، كما يقول ذلك هو عن نفسه عندما ورد المرسوم السلطاني بسجنه في قلعة دمشق: ( أنا كنت منتظرًا ذلك ، وهذا فيه خير عظيم ) [3] .

وقال: ( لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة ) .

كما كان في الابتلاء الذي تعرض له خير للمسلمين في عصره وما تلاه من العصور ؛ وذلك بانتشار دعوته وعلمه ؛

يقول رحمه الله: ( ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه ، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) [4] .

احتراس وتنبيه:

وفي هذا المبحث أود التنبيه على قضية يُخشى أن تنشأ من خلال الحديث عن الرضا بقدر الله عز وجل وتفويض الأمور إليه ؛ ألا وهي الانحراف بهذا الأمر إلى المفهوم الخاطئ لمسألة الرضا والتسليم لقضاء الله عز وجل، والذي قد يؤدي إلى التواكل ، والعجز ، والرضا بالفساد ، والذلة ، والمهانة ، وترك الأخذ بالأسباب والدعوة والجهاد ؛ فنكون قد عالجنا مرضًا وانفتح علينا مرض آخر . من أجل ذلك سأخص هذا المبحث بالحديث عن هذه القضية ، وذلك احتراسًا من الفهم الخاطئ الذي قد ينشأ لو لم يحصل هذا التنبيه ، فأقول وبالله التوفيق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت