فهرس الكتاب
إن من القواعد المهمة لمطالعة حوادث الزمان: الفهم الصحيح لعقيدة القضاء والقدر ، والفهم الصحيح لمقتضى أسماء الله عز وجل الحسنى وصفاته العلا، والتوازن في هذا الفهم بين الغلو والجفاء ، وهذا والحمد لله هو سمة معتقد أهل السنة والجماعة في جميع أبواب العقيدة ، ومن ذلك: عقيدة القضاء والقدر ، وتوحيد الأسماء والصفات . ولقد انحرف عن هذه القواعد طرفان من الناس: فمنهم من أنكر الاستدلال بالقضاء والقدر على حوادث الزمان ، وتنقص المؤمنين به ، ومنهم من فهم القضاء والقدر على أنه تواكل وخمول وخنوع مُذل ، وكلا الموقفين منحرف ومجانب للصواب ؛ فالإيمان بقضاء الله عز وجل وبعلمه وتقديره للأمور قبل وقوعها ، ثم مشيئته ، وخلقه لها ، وأن له الحكمة البالغة في كل ما يقضيه ويقدره ، وأن من وراء ذلك رحمته، وإرادة الخير واليسر لعباده .. كل ذلك مما يجب الإيمان به في باب القضاء والقدر ، كما أنه مقتضى الإيمان بأسمائه سبحانه وصفاته ، ولكن هذا الإيمان بهذه القواعد والحقائق لا يعني ترك الأسباب، والرضا بالذلة والهوان وانتشار الفساد ، كلا ، بل إن الفهم الصحيح للقضاء والقدر يكمن في التوازن بين الاستسلام المطلق لقدر الله ، والعمل بكل ما في الوسع والوقوف المطمئن عند حد الاستطاعة ؛ وهذا يعني فعل الأسباب التي سخرها الله سبحانه، ومدافعة أقدار الله عز وجل بأقداره ، ما دام أن هناك إمكانًا للمدافعة ؛ قال تعالى: (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) ) [البقرة: 251] فإذا لم تُجدِ المدافعة، أو لم يكن ذلك في الإمكان: فالواجب: الصبر والاستسلام لقضاء الله عز وجل ، واليقين بأن من وراء ذلك خيرًا ومصلحة ورحمة ، يجب أن يتجه الجهد إلى التماسها، وتسخيرها في مزيد من الخير والإصلاح ، وتغيير الأحوال، ومحاسبة النفوس ، وإزالة أسباب المصيبة ، وبذل الجهد في دفعها ؛ قال تعالى: (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد: 11] .
ويوضح هذا المعنى الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فيقول: ودفع القدر بالقدر نوعان:
أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه ولمّا يقع بأسباب أخرى من القدر تقابله ، فيمتنع وقوعه، كدفع العدو بقتاله ، ودفع الحر والبرد ونحوه .
الثاني: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله ، كدفع قدر المرض بقدر التداوي ، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة ، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان ، فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار ، لا الاستسلام لها، وترك الحركة والحيلة ؛ فإنه عجز، والله تعالى يلوم على العجز. فإذا غُلب العبد ، وضاقت به الحيل ، ولم يبق مجال ؛ فهنالك الاستسلام للقدر ، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف يشاء [5] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلّ خير . احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا... الحديث ) ) [6] ،
ويشرح الإمام النووي الحديث ، فيقول: ( والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة ، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد ، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه ، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة، والصوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ، ومحافظة عليها ونحو ذلك .. وقوله صلى الله عليه وسلم:( احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ) معناه: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ، ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ، ولا عن طلب الإعانة ) [7] .
ويتحدث الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن الفرق بين العجز والتوكل ، فيقول:( والفرق بين التوكل والعجز: أن التوكل عمل القلب وعبوديته:اعتمادًا على الله ، وثقة به ، والتجاءً إليه، وتفويضًا إليه، ورضًا بما يقضيه له؛ لعلمه بكفايته سبحانه، وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها ، واجتهاده في تحصيلها ؛ فقد كان رسول الله أعظم المتوكلين ، وكان يلبس لأَمَتَه ودرعه ، بل ظاهر يوم أحد بين درعين ، واختفى في الغار ثلاثًا ؛ فكان متوكلًا في السبب لا على السبب .
وأما العجز: فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما: فإما أن يعطل السبب عجزًا منه، ويزعم أن ذلك توكل ! ولعمر الله إنه لعجز وتفريط ، وإما أن يقوم بالسبب ناظرًا إليه، معتمدًا عليه، غافلًا عن المسبّب ، معرضًا عنه، وإن خطر بباله لم يثبت معه ذلك الخاطر ، ولم يعلق قلبه به تعلقًا تامًا، بحيث يكون قلبه مع الله، وبدنه مع السبب . فهذا توكله عجز، وعجزه توكل) [8] .