فهرس الكتاب
ويقول الدكتور علي العلياني وفقه الله تعالى في حديثه عن أهل التصوف وانحرافهم في موضوع الجهاد في سبيل الله: إن من صفاتهم: (الرضا بما يقع عليهم من مصائب وذنوب، فلا يحاولون دفعها عن أنفسهم ، زعمًا منهم أن دفعها ينافي الرضا بالقدر ، فلو وطئ الكفار رقابهم يرضون ويسلمون ؛ لأن الله أراد ذلك ! .. ويذكر الأستاذ محمود مهدي قصة ملخصها: أن الفرنسيين إبان استعمارهم لتونس كانوا يجدون معارضة شديدة من الناس ؛ فتفاهم الفرنسيون مع شيخ الصوفية على أن يدخلوا البلاد ؛ فلما أصبح الصباح قعد الشيخ مطرقًا رأسه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ، فلما سأله أتباعه عن الأمر الذي يقلقه قال لهم: لقد رأيت الخضر وسيدي أبا العباس الشاذلي وهما قابضان بحصان جنرال فرنسا ثم أوكلا الجنرال أمر تونس ، يا جماعة هذا أمر الله ، فما العمل ؟ فقالوا له: إذا كان سيدي أبو العباس راضيًا ، ونحن نحارب في سبيله ، فلا داعي للحرب ! ثم دخل الجيش الفرنسي تونس بدون مقاومة) إلى أن يقول: ( إن عقيدة الصوفية المنحرفة في التوكل والرضا بالقدر: جعلت نفوسهم راضية مطمئنة ولو وطئ الكفار على رقابهم ؛ فإن التوكل عندهم عدم ممارسة الأسباب ، والرضا معناه أن ترضى بما يحصل لك ولو هو استيلاء الكفار على بلاد المسلمين ، وسبي ذراريهم . وإن أبديت مقاومة فأنت معارض للقدر ! وغير متوكل على الله ! فالذي يسافر في البراري الخالية بغير زاد ، هل يتصور منه أن يلبس لأَمَة الحرب ودروع القتال ؟ وليته إذ لم يفعل ذلك غمس نفسه في القتال حاسرًا ! ! .. ولكن ما له ولفرقعة السلاح ، ولخرير الدماء ؛ وحلق الرقص وطقطقة المسابح كفيلة بإنزاله منزلة الصديقين على زعمه ، فأي انحراف هذا الذي أصاب الأمة الإسلامية ، وأي فرحة للكفار تحصل لهم أشد من فرحتهم بهذا ) [9] .
(1) في ظلال القرآن ، م3 ، ص1481 .
(2) زاد المعاد ، ج3 ، ص218-222 باختصار .
(3) العقود الدرية ، ص329 .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ، ج28 ، ص57 .
(5) مدارج السالكين ، ج1 ، ص20 .
(6) رواه مسلم: كتاب القدر ، ح2664 .
(7) شرح صحيح مسلم للنووي ، ج16 ، ص215 .
(8) الروح ، ص344 .
(9) أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية ، باختصار ، ص288 .
من جوانب الاقتداء بهدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
في مقال سابق بيّنت أهمية معرفة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهديهم ؛ وذلك لأخذ العبر العظيمة، والاقتداء بهم ، والتعزي بما أصابهم ، والحصول على الفوز في الدنيا والآخرة باتباعهم .
وسيكون التركيز في هذا المقال إن شاء الله تعالى بالوقوف على ثلاثة جوانب عظيمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هي في نظري من أهم جوانب الاقتداء بهم عليهم الصلاة والسلام ، وهي كما يلي:
أولًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في قوة العلم بالله تعالى، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد وقوة العبادة.
ثانيًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في الأخلاق والسلوك.
ثالثًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في الدعوة والتبليغ.
وسيكون تحت كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة تقسيمات أخرى تفصّل فيها بعض الصور والأمثلة الداخلة تحت كل جانب ، مع محاولة الربط ما أمكن بواقعنا نحن المسلمين اليوم ، وبخاصة ما يتعلق بالدعوة والدعاة في هذا العصر ، موضحًا من خلال هذا الربط مدى قربنا أو بعدنا من هذا الهدي الكريم في كل جانب من الجوانب الآنفة الذكر من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا هو جهد المقل ؛ فما وجدته أخي الكريم من صواب وحق فهو من الله عز وجل، وما وجدت فيه من خطأ وخلل فمني ومن الشيطان، فإلى تفصيل ما أشير إليه آنفًا .
الجانب الأول: من هديهم في قوة العلم بالله عز وجل، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد:
إن أعلم الناس بالله عز وجل هم أنبياؤه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهذا العلم به سبحانه وبأسمائه وصفاته العلا هو الذي أوجد هذه الخشية العظيمة والإيمان الصادق والتوحيد الكامل لله عز وجل ؛ لأنه كلما كان العبد أعلم وأعرف بربه سبحانه كلما كان أشد خوفًا وتعظيمًا وعبادة ومحبة وإخلاصًا له ، والعكس بالعكس .
وإن مما اختص الله سبحانه به رسله ، ومما منّ به عليهم: تكميل هذا العلم العظيم في نفوسهم، والذي هو أشرف العلوم وأزكاها .
وإن المسلم مأمور بطلب هذا العلم الشريف قدر استطاعته اقتداءً بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولو أنه لن يصل إلى علمهم ولا إيمانهم ، لكنه بذلك يقترب منهم ويسعد بثمار هذا العلم العظيم في قلبه وسلوكه وحياته كلها .
ومن الأدلة على شرف هذا العلم ما يلي:
قول الله تعالى:عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعوته لأبيه: (( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ) ) (مريم: 43) .
وقوله تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام: (( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) (يوسف: 68)
وقوله تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام: (( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (يوسف: 96) . .
وقوله تعالى عن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: (( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (الأعراف: 62) .