فهرس الكتاب
وهذا موسى عليه الصلاة والسلام ، مع ما آتاه الله عز وجل من العلم العظيم ، فإنه لم يكتف به، وإنما طلب المزيد .. وقصة سفره (عليه الصلاة والسلام) إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه معروفة ، وقد قصها الله (عز وجل) علينا في كتابه الكريم ، والشاهد منها قوله تعالى: (( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) ) (الكهف: 66) .
وللشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه القصة كلام نفيس ، فليرجع إليه .
وقوله تعالى لنبيه محمد: (( قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ ) ) (الأنعام: 57) .
وقوله عن نفسه عندما تنزه بعض الصحابة عن شيء رخص فيه الرسول ، فُبلِّغ ذلك إليه ، فخطب ، فحمد الله ، ثم قال: (( ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ ! ، فو الله إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ) ) [1] .
الآثار على نفوس الأنبياء: وبعد سرد هذه الأدلة والتي هي على سبيل المثال لا الحصر نأتي الآن إلى أثر هذه البينات العظيمة في نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، الناشئة عن هذا العلم الشريف بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، لعلنا نهتدي بهذه الآثار الإيمانية المباركة ونسعى للتأسي بهم .
ومن هذه الآثار ما يلي:
أولًا: شدة تعظيمهم لله عز وجل وخوفهم منه:
فعلى الرغم من اصطفاء الله سبحانه لهم وحبه لهم وقربهم منه .. فإن هذه المزايا لم تزدهم لربهم إلا تعظيمًا، ومحبة ، وخوفًا منه سبحانه، وخشية . وهذه سنة الله سبحانه ؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربه كلما عظّمه في نفسه ، وخاف منه سبحانه خوف المحب لحبيبه ؛ خوفًا يقرب إلى الله عز وجل، وخوفًا يهضم العبد عنده نفسه ويحقرها ولا يرى لها فضلًا ولا طوعًا، وإنما يراها أهلًا للظلم والخطيئة والضعف ، إن لم يوفق الله تعالى صاحبها ويعينه عليها .
وهكذا كان شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأمثلة في ذلك كثيرة ،
منها: مناجاة نوح عليه الصلاة والسلام لربه بشأن ابنه: وقد جاء ذلك في قصة نوح مع قومه في سورة هود ، حيث يقول الله تعالى: (( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِين ) ) (هود: 45-47) .
ويظهر من هذه الآيات علم نوح عليه الصلاة والسلام بربه عز وجل ،والذي أثمر عنده هذا الأدب العظيم مع ربه والخوف منه سبحانه ؛ فتراه وهو يدعو ربه بشأن ابنه الهالك مع الكافرين يختم دعاءه بقوله: (( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ ) ).
ولم يقل: وأنت أرحم الراحمين، وهذا من كمال علمه عليه الصلاة والسلام بأسماء الله البالغة التي اقتضت أن يكون ابن نوح مع الهالكين ولم يكن مع الناجين ، ولذلك: ختم نوح عليه السلام دعاءه بقوله: (( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِين ) ). كما يظهر في هذه المناجاة خوف نوح عليه السلام من ربه ، واتهامه لنفسه بالظلم ، وطلبه المغفرة من ربه سبحانه ؛ وذلك في قوله:
(( وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ ) ).. الله أكبر ! ، هذا نوح عليه السلام الذي أمضى مئات السنين في دعوة قومه ، وصبر وصابر ، وناله من الأذى والاستهزاء الشيء العظيم ، ومع ذلك يختم دعوته بطلب المغفرة والرحمة من ربه سبحانه: (( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلاَّ تَبَارًا ) ) (نوح: 28)
فماذا نقول نحن المفرطين الظالمين الجاهلين ؟! .. سبحانك قد ظلمنا أنفسنا ظلمًا كثيرًا ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
هذا إمام الحنفاء وخليل الرحمن يخاف من ذنوبه ويسأل ربه المغفرة والستر، ويطلب من ربه سبحانه أن يلحقه بالصالحين ، وكأنه ليس منهم !! .
يقول الله تعالى: (( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ) (الشعراء: 82 -89 ) .
إذن: فما حالنا نحن المقصرين ؟ ، ماذا عسانا أن نقول ؟ ! ، إنه ليس أمامنا إلا أن نحذو حذو هذا الركب المبارك المطهر ونقول ما أوصى به الرسول أبا بكر
الصديق رضي الله عنه عندما سأله أن يعلمه دعاءً يدعو به في صلاته ، فقال: (( قل:اللّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني ،إنك أنت الغفور الرحيم ) ) [2] .
تعظيم نبينا محمد لربه سبحانه وخوفه منه: