فهرس الكتاب
ونختم هذه الأمثلة من تعظيم الأنبياء لربهم سبحانه وخوفهم منه ببعض الشواهد من تعظيم نبينا محمد لربه وخوفه منه، مع أنه سيد المرسلين ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .. ولا غرابة في ذلك ؛ فهو كما قال عن نفسه: (( فوالله إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ) ) [3] . ومما ورد عنه في هذا الشأن:
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ، ولبكيتم كثيرًا ) ) [4] ؛ ولذلك: ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا قط ؛ إنما كان يتبسم .
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: (( اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ) )، قالت: وإذ تخيّلت السماء تغير لونه ، وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر ، فإذا أمطرت سُرّي عنه ، فعرفت ذلك عائشة ؛ فسألته ، فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: (( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) [5] .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يختصمون في القَدَر ، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب ، فقال: (( بهذا أمرتم ؟ ، أو لهذا خلقتم ؟ ، تضربون القرآن بعضه ببعض. بهذا هلكت الأمم قبلكم ) ) [6] .
ثانيًا: كثرة ذكرهم لله عز وجل وشدة تضرعهم ودعائهم له سبحانه مع قوة عبادتهم:
وهذا الجانب من هديهم عليهم الصلاة والسلام ثمرة من ثمار الإيمان الصادق والتوحيد الكامل النابعين من كمال حبهم لله عز وجل وتعظيمهم له ، والمتأمل في هذا الجانب من هديهم ليأخذه العجب والإجلال والحب الخالص لهذه الصفوة المختارة من عباد الله ، وهو يرى إخباتهم لربهم سبحانه وكثرة ذكرهم له ، وتضرعهم ودعاءهم المتواصل لربهم ، مع كثرة عبادتهم وطولها وتنوعها.. كل ذلك وهم أولياء الله وأنبياؤه وصفوته من خلقه ، وإن في هذا الهدي لعبرة لمن هو دونهم ممن يحسب نفسه من الدعاة المتبعين لهم . نعم ..إن في ذلك لعبرة لمن جاء بعدهم من المحبين لهم في أن يولوا هذا الجانب حقه ، وأن يقتدوا بهؤلاء المصطفين الأخيار في كثرة ذكرهم لله عز وجل ، وكثرة دعائهم وتضرعهم وعبادتهم له سبحانه مع ما هم فيه من هم الدعوة والجهاد والانشغال في أمر هذا الدين في الليل والنهار ، ولكن كل ذلك لم يشغلهم عن الخلوة بربهم سبحانه والتفرغ لذكره ودعائه
وعبادته .
وفي هذا رد على ما قد يتذرع به بعضنا إذا نبه إلى هذا الجانب المهم في حياة الداعية من التذرع بضيق الوقت وكثرة المشاغل وتعب الجسد وإجهاده في طلب العلم والدعوة إلى الله عز وجل، فيدخل الشيطان إلى النفس من هذا الباب باب التفريط فيجد الداعية نفسه وقد أهملها في أعظم رافد له في دعوته وأكبر زاد له في طريقه إلى الله .. وأورد الآن نماذج من هذا الهدي المبارك ، لعلها أن تشحذ الهمم وتقوي العزائم ، ولعلها في الوقت نفسه أن تطامن منا بعض النفوس التي أصابها داء العجب؛ فتشعر وهي تقرأ هذه النماذج بأنها لا زالت مقصرة ومفرطة في جنب الله ، فيحصل مقت النفس في ذات الله عز وجل واحتقارها ؛ الاحتقار الذي يؤدي مع الاستعانة بالله عز وجل إلى علاجها ويقظتها.
ومن هذه النماذج ما يلي:
* تضرعهم عليهم الصلاة والسلام إلى ربهم سبحانه وسؤاله قضاء حوائجهم:
ذكر الله عز وجل في آخر سورة الأنبياء مجموعة من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهم يسألون ربهم ويتضرعون إليه في قضاء حوائجهم، ويتوسلون إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، كما يتوسلون بفاقتهم وافتقارهم إلى الله عز وجل. ومن ذلك قول الله تعالى: (( وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) ) (الأنبياء: 83- 84 ) .
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الدعاء الخاشع من أيوب عليه الصلاة والسلام): (جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود طعم المحبة في التملق له ، والإقرار له بصفة الرحمة وأنه أرحم الراحمين ، والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره ، ومتى وجد المبتلى هذا كشفت عنه بلواه) [7] .
وفي قوله تعالى: (( وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) )أي: إن في صبر أيوب عليه الصلاة والسلام ودعائه عبرة للعابدين من بعده ؛ ليقتدوا بصبره وعبادته ودعائه ويقينه .
* خشوعهم وبكاؤهم عند ذكر الله عز وجل:
فبعد أن ذكر الله عز وجل مجموعة من الأنبياء في سورة مريم أثنى عليهم بقوله تعالى: (( أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًا ) ))مريم: 58).
يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: فهذه خير بيوت العالم اصطفاهم الله ، واختارهم واجتباهم، وكان لهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم ، المتضمنة للإخبار بالغيوب ، وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد .