الصفحة 2326 من 3812

(( خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًا ) )أي: خضعوا لآيات الله ، وخضعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة، والسجود

لربهم ) [8] .

وقوله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تًَاوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) ) (يوسف: 101 ) .

يقول السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه) .

ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى عند هذه الآية أيضًا: (جمعت هذه الدعوة: الإقرار بالتوحيد ، والاستسلام للرب ، وإظهار الافتقار إليه ، والبراءة من موالاة غير الله سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد ، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد ، والاعتراف بالمعاد ، وطلب مرافقة السعداء) [9] .

وأختم هذه الأدعية النبوية بذلك الدعاء الذي كثيرًا ما كان يلهج به الرسول ويردده ؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) )، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنا بك وبما جئت به ، فهل تخاف علينا ؟ ، قال: (( نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) ) [10] .

فإذا كان هذا هو حال أنبياء الله عز وجل وصفوته من خلقه فحري بمن

دونهم أن يخاف على نفسه من سوء الخاتمة ، فمن ذا الذي يأمن الفتنة بعد أنبياء الله عز وجل ؟

* القوة في طاعة الله تعالى وعبادته:

هذه الصفة العظيمة من أبرز ما في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، حيث إنهم أكثر الناس عبادة وصلاة وإخباتًا لله عز وجل ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: (( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ) ) (ص: 45)

وعن عطاء الخراساني: (( أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ) )، قال: أولو القوة في العبادة والعلم بأمر الله ، وعن مجاهد

وروي عن قتادة قال: ( أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين ) ) [11] .

والشواهد في ذكر عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثيرة، منها:

قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) ) (ابراهيم: 40) .

وقوله تعالى في مدح إسماعيل عليه الصلاة والسلام: (( وَكَانَ يًَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًا ) ) (مريم: 55) .

وقوله تعالى في مدح إسحاق ويعقوب: (( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإقَامَ الصَّلاةِ وَإيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِين ) ) (الأنبياء: 73) .

أما عن نبينا محمد وكثرة عبادته وقوته فيها فهي كثيرة جدًّا ، مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ..ولا غرابة في ذلك ؛ فهو الذي امتلأ قلبه معرفة بربه سبحانه وحبًّا وتعظيمًا له ، وهو الذي قال له ربه سبحانه: (( يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا ) ) (المزمل: 1- 4) .

وهو الذي قال له ربه عز وجل: (( وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) ) (الإنسان: 26) .

وقال له: (( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا ) ) (مريم: 65) ، وأكتفي بشاهد من أحواله الكثيرة في عبادته وقوته فيها:

فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قام النبي حتى تورمت قدماه ، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا ؟ ! ) ) [12] .

وأخيرًا: فهذه أحوال المصطفين الأخيار من أنبياء الله عز وجل ، وما سبق ذكره إن هو إلا جانب يسير وغيض من فيض من صلتهم بالله عز وجل ، ذكرًا وتسبيحًا ودعاءً وصلاة ، فهل من مشمر للأخذ بهديهم كما أمر الله عز وجل (( فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) )؟ ، وهل بقي مجال لأحد أن يعتذر بكثرة المشاغل الدعوية وطلبىالعلم في التفريط في هذا الزاد العظيم ؟ .

وتبقى مسألة مهمة تبرز للمتأمل في تلك الكلمات والجُمل العطرة الجامعة ، والتي تتألف منها أذكارهم وأدعيتهم عليهم الصلاة والسلام، ألا وهي: تجريد التوحيد لله عز وجل وإخلاص العبادة له وحده .

فهل بقي عذر لمن يتوجه إلى الأنبياء أو غيرهم في جلب نفع أو دفع ضر ، وهذا هو شأنهم مع ربهم في دعائهم له ؟ .

[1] البخاري ، ح/6101 ، ك/ الأدب ، ومسلم ، ح/2356 ، ك/ الفضائل

[2] البخاري ، ح/834 ، ك/ الأذان ، ومسلم ، ح/2705 ، ك/ الذكر والدعاء

[3] البخاري ، ح/6101 ، ك/ الأدب ، ومسلم ، ح/2356 ، ك/ الفضائل .

[4] البخاري ، ح/6486 ، ك/ الرقاق ، ومسلم ، ح/2359 ، ك/ الفضائل .

[5] رواه مسلم ، ك/ الاستسقاء ، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم ، ح/ 899

[6] صحيح سنن ابن ماجة ، ح/ 69 ، 1/21 .

[7] بدائع التفسير ، 3/189 .

[8] تفسير السعدي ، 3/209 .

[9] بدائع التفسير ، 2/476 .

[10] الترمذي ، ح/2141 ، في القدر ، وقال: حسن صحيح .

[11] مجموع الفتاوى ، 19/170

[12] مسلم ، ح/ 772 ، ك/ صلاة المسافرين

من ثمرات اليقين باليوم الآخر.. القسم الأول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت