فهرس الكتاب
كما يتولد أيضا من هذا الشعور ، الراحة النفسية والسعادة القلبية وقوة الاحتمال والصبر على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، وأنه مهما جاء من شدائد الدنيا فهي منقطعة ولها أجل ، فهو ينتظر الفرج ويرجو الثواب الذي لا ينقطع يوم الرجوع إلى الله عز وجل ، قال تعالى: (إن تَكُونُوا تًَالَمُونَ فَإنَّهُمْ يًَالَمُونَ كََمَا تًَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) [النساء: 104] وما إن يفقد القلب هذه المعاني حتى يخيم عليه الهم والتعاسة ، ومن هنا ينشأ القلق والانزعاج والضيق والحزن ، أما ذاك الذي عرف الدنيا على حقيقتها ، وامتلأ قلبه بهمّ الآخرة وأنبائها ، فإن نفسه لا تذهب على الدنيا حسرات ، ولا تنقطع نفسه لهثًا في طلبها، ولا يأكل قلبه الغل والحسد والتنافس فيها، ولا يقل صبره ولا يجزع قلبه عند المحن والشدائد، ومهما حرم في هذه الدنيا الفانية فهو يعلم أن لله عز وجل في ذلك الحكمة البالغة، وهو يرجو الأجر يوم القيامة ، قال تعالى: (وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفا وَإن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) [الزخرف: 33- 35] .
3-التزود بالأعمال الصالحة وأنواع القربات واجتناب المعاصي والمبادرة بالتوبة والاستغفار:
يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) : (ومما ينبغي أن من رجا شيئًا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:
أحدهما: محبة ما يرجوه .
الثاني: خوفه من فواته .
الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان .
وأما رجاءٌ لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني ، والرجاء شيء والأماني شيء آخر ، فكل راجٍ خائف ، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات .
وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة) [3]
وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة ، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة ، فعلم أن الرجاء والخوف النافع ما اقترن به العمل ، قال تعالى: (إنَّ الَذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ(57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) [المؤمنون: 57- 61] .
وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ، فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون ؟ قال: (لا ، يا ابنة الصديق ، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم ، أولئك يسارعون في الخيرات) [4] وقد روي من حديث أبي هريرة أيضًا .
والله (سبحانه) وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ، ووصف الأشقياء
بالإساءة مع الأمن) [5] .
وقال تعالى: (إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [البقرة: 218] .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (فتأمل كيف جعل رجاءهم إتيانهم بهذه الطاعات ؟ وقال المغرورون: إن المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لأوامره الباغين المتجرئين على محارمه ، أولئك يرجون رحمة الله) [6] . للحديث صلة .
(1) أحمد، ج1ص215 ، 271 وصحح إسناده أحمد شاكر (1842) .
(2) الجواب الكافي، ص 54 .
(3) رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب 18 الحديث رقم 2450 وانظر صحيح سنن الترمذي (1993) .
(4) رواه أحمد ، ج6ص159، والترمذي (كتاب التفسير) باب تفسير سورة المؤمنون، ح 3175 .
(5) الجواب الكافي، ص 57 ، 58 .
(6) الجواب الكافي، ص 56 .
مجلة البيان: العدد: ( 98 ) التاريخ: شوال /1416هـ .
من ثمرات اليقين باليوم الآخر ..القسم الثاني
4-الدعوة إلى الله (عز وجل ) والجهاد في سبيله:
وهذا يدخل في الثمرة السابقة ، حيث إنه من أفضل القربات والأعمال الصالحة ، وقد أفردته هنا باعتباره ثمرة مستقلة من ثمار اليقين باليوم الآخر ، وذلك لما يلي:
(أ) فضل الجهاد والدعوة إلى الله (سبحانه) وأثرهما في إنقاذ الناس بإذن ربهم من الظلمات إلى النور ، ولذلك كان من أحب الأعمال إلى الله (عز وجل) ، قال (تعالى) : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ) [ فصلت: 33] .
(ب) وصف الرسول للجهاد بأنه ذروة سنام الإسلام .