فهرس الكتاب
في الجهاد أيضًا: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا ، وفيه أيضًا: حقيقة الإخلاص ؛ فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله ، لا في سبيل الرياسة ، ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية.. وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود ، كما قال تعالى: (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) [التوبة: 111] .
(ج) في الحديث عن الجهاد في سبيل الله عز وجل ومحاربة الفساد وتعبيد الناس لرب العالمين أكبر رد على الذين يرون أن التعلق باليوم الآخر والاستعداد له يعني اعتزال الناس ، وترك الدنيا لأهلها ، والاشتغال بالنفس وعيوبها ، وترك الحياة يأسن فيها أهلها .
نعم هذا ما يراه بعض المتصوفة وأصحاب الفهم المنحرف لحقيقة الدنيا والآخرة .. ( [لقد كان ] الناس في فترات من الزمان يعيشون سلبيين ، ويَدَعون الفساد والشر والظلم والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا مع ادعائهم الإسلام هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف ؛ ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف ! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين ... فما يستيقن أحد من لقاء الله في الآخرة ؛ وهو يعي حقيقة هذا الدين ، ثم يعيش في هذه الحياة سلبيًّا أو متخلفًا أو راضيًا بالشر والفساد . إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى ، ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة ... ، ويكافح الشر والفساد والظلم محتملًا الأذى والتضحية حتى الشهادة ، وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة ... إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا ، وأن الدنيا صغيرة زهيدة ، ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى) [1] .
5-اجتناب الظلم بشتى صوره:
نظرًا لكثرة الظلم والشحناء بين المسلمين في عصرنا الحاضر ، وأنه لا شيء يمنع النفس من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض: كاليقين بالرجوع إلى الله عز وجل، وإعطاء كل ذي حقحقه ، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه ، فإذا تذكر العبد هذا الموقف العصيب الرهيب ، وأنه لا يضيع عند الله شيء ، كما قال تعالى: (وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] وقوله تعالى: )وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه: 111] ،إذا تذكر هذه المواقف واتعظ بهذه الآيات ، وأيقن بتحققها فلا شك أن ذلك سيمنعه من التهاون في حقوق الخلق ، والحذر من ظلمهم في دم أو مال أو عرض ، خاصة وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والحرص على استيفاء الحق من الخصم ، وبالذات في يوم الهول الأعظم الذي يتمنى العبد فيه أن يكون له مظلمة عند أمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، فضلًا عن غيرهم من الأباعد ، ومعلوم أن التقاضي هنالك ليس بالدينار والدرهم ولكن بالحسنات والسيئات .
فياليتنا نتذكر دائمًا يوم الفصل العظيم ، يوم يفصل الحكم العدل بين الناس ، ويقضي بين الخصماء بحكمه وهو أحكم الحاكمين ، ليتنا لا نغفل عن هذا المشهد العظيم ، حتى لا يجور بعضنا على بعض ، ولا يأكل بعضنا لحوم بعض ، ولا نتكلم إلا بعلم وعدل ، إنه لا شيء يمنع من ذلك كله إلا الخوف من الله (عز وجل) وخوف الوقوف بين يديه ، واليقين الحق بأن ذلك كائن في يوم لا ريب فيه ؛ قال تعالى: (إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ(30) ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُون ( [الزمر: 30 ، 31] .
6-حصول الأمن والاستقرار ، والألفة بين الناس بالحكم بشريعة الله:
إن مجتمعًا يسود بين أهله الإيمان بالله عز وجل واليقين بالآخرة والجزاء والحساب ، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة ويعمه السلام ؛ لأن تعظيم الله سبحانه سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله (عز وجل) بديلًا ، ولا تقبل الاستسلام إلا لحكمه ، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات ، لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء ، فلا تحاكم إلا لشرع الله ، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة: فلا خيانة ولا غش ولا ظلم ، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش ، فهذا لم يسلم منه عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة ، لكن هذه المعاصي تبقى فردية ، يؤدّب أفرادها بحكم الله عز وجل وحدوده ، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة ، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من
الآخرة ، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد الكبير: حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف ، وبالتالي:لا يأمن الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم ، وكفى بذلك سببًا في عدم الأمن والاستقرار ، وانتشار الخوف ، واختلال حياة الناس .
7-تقصير الأمل وحفظ الوقت: