الصفحة 2331 من 3812

إن من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد: طول الأمل ، والأماني الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلة شديدة عن الآخرة ، واغترار بزينة الحياة الدنيا ، وتضييع ساعات العمر النفيسة في اللهث وراءها حتى يأتي الأجل الذي يقطع هذه الآمال، وتذهب النفس حسرات على ما فرطت في عمرها، وأضاعت من أوقاتها . ولكن اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل والتذكر الدائم لقصر الحياة وأبدية الآخرة وبقائها ، هو العلاج الناجع لطول الأمل وضياع الأوقات .

يقول ابن قدامة رحمة الله:(واعلم أن السبب في طول الأمل شيئان:

أحدهما: حب الدنيا ، والثاني: الجهل .

أما حب الدنيا: فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ، ثقل على قلبه مفارقتها ، فامتنع من الفكر في الموت ، الذي هو سبب مفارقتها ، وكل من كره شيئًا دفعه عن نفسه .

السبب الثاني: الجهل ، وهو أن الإنسان يعول على شبابه ، ويستبعد قرب الموت مع الشباب ، أو ليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا كانوا أقل من العشرة ؟ وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر ، وإلى أن يموت شيخ قد يموت ألف صبي وشاب ، وقد يغتر بصحته ، ولا يدري أن الموت يأتي فجأة ، وإن استبعد ذلك) [2] .

8-سلامة التفكير وانضباط الموازين وسمو الأخلاق:

لا يستوي من يؤمن بالله واليوم الآخر ويوقن بيوم الحساب والجزاء ولا يغفل عنه ، ومن لا يؤمن بالآخرة ، أو يؤمن بها ولكنه في لهو وغفلة عنها ، لا يستويان أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة ، أما في الآخرة فيوضحه قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ) [الحشر: 20] .

وأما في الحياة الدنيا فلا يلتقي أبدًا من يعلم أن له غاية عظيمة في هذا الحياة، وأن مرده إلى الله عز وجل في يوم الجزاء والحساب والنشور، مع من لا يعلم من هذه الحياة الدنيا إلا ظاهرها، وأنها كل شيء عنده ، وهو عن الآخرة من الغافلين .

إنهما لا يلتقيان في التفكير ، ولا في الميزان الذي توزن به الأشياء والأحداث، ولا في الأحكام ، وبالتالي: فبقدر ما تسمو أخلاق الأول وتعلو همته لسمو منهجه وميزانه بقدر ما تسفل وترذل أخلاق الآخر لسفالة تصوره وفساد ميزانه .

قال تعالى في وصف أهل الدنيا: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)

[الروم: 7] .

9-الفوز برضا الله (سبحانه) وجنته ، والنجاة من سخطه والنار:

وهذه ثمرة الثمار ، وغاية الغايات ، ومسك الختام في مبحث الثمار ، قال تعالى: ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ) [آل عمران: 185] .

يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) : (أي: حصل له الفوز العظيم بالنجاة من العذاب الأليم ، والوصول إلى جنات النعيم ، التي فيها: مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ ومفهوم الآية: أن من لم يزحزح عن النار ، ويدخل الجنة ، فإنه لم يفز ، بل قد شقي الشقاء الأبدي ، وابتلي بالعذاب السرمدي ، وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه ، وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء مما عملوه ، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه) [3] .

اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد ، أنت المنان ، بديع السموات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، ونسألك أن لا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، يا حي يا قيوم ، يا أرحم الراحمين .

(1) اليوم الآخر في ظلال القرآن ، ص6 .

(2) مختصر منهاج القاصدين ، ص367 368 .

(3) تفسير السعدي ، ج1 ص 467 468 .

مجلة البيان:العدد: (99) التاريخ: ذو القعدة / 1416هـ .

من جوانب الاقتداء بهدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

في مقال سابق بيّنت أهمية معرفة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهديهم ؛ وذلك لأخذ العبر العظيمة، والاقتداء بهم ، والتعزي بما أصابهم ، والحصول على الفوز في الدنيا والآخرة باتباعهم .

وسيكون التركيز في هذا المقال إن شاء الله تعالى بالوقوف على ثلاثة جوانب عظيمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هي في نظري من أهم جوانب الاقتداء بهم عليهم الصلاة والسلام ، وهي كما يلي:

أولًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في قوة العلم بالله تعالى، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد وقوة العبادة.

ثانيًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في الأخلاق والسلوك.

ثالثًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في الدعوة والتبليغ.

وسيكون تحت كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة تقسيمات أخرى تفصّل فيها بعض الصور والأمثلة الداخلة تحت كل جانب ، مع محاولة الربط ما أمكن بواقعنا نحن المسلمين اليوم ، وبخاصة ما يتعلق بالدعوة والدعاة في هذا العصر ، موضحًا من خلال هذا الربط مدى قربنا أو بعدنا من هذا الهدي الكريم في كل جانب من الجوانب الآنفة الذكر من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا هو جهد المقل ؛ فما وجدته أخي الكريم من صواب وحق فهو من الله عز وجل، وما وجدت فيه من خطأ وخلل فمني ومن الشيطان، فإلى تفصيل ما أشير إليه آنفًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت