الصفحة 2332 من 3812

الجانب الأول: من هديهم في قوة العلم بالله عز وجل، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد:

إن أعلم الناس بالله عز وجل هم أنبياؤه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهذا العلم به سبحانه وبأسمائه وصفاته العلا هو الذي أوجد هذه الخشية العظيمة والإيمان الصادق والتوحيد الكامل لله عز وجل ؛ لأنه كلما كان العبد أعلم وأعرف بربه سبحانه كلما كان أشد خوفًا وتعظيمًا وعبادة ومحبة وإخلاصًا له ، والعكس بالعكس .

وإن مما اختص الله سبحانه به رسله ، ومما منّ به عليهم: تكميل هذا العلم العظيم في نفوسهم، والذي هو أشرف العلوم وأزكاها .

وإن المسلم مأمور بطلب هذا العلم الشريف قدر استطاعته اقتداءً بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولو أنه لن يصل إلى علمهم ولا إيمانهم ، لكنه بذلك يقترب منهم ويسعد بثمار هذا العلم العظيم في قلبه وسلوكه وحياته كلها .

ومن الأدلة على شرف هذا العلم ما يلي:

قول الله تعالى:عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعوته لأبيه: (( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ) ) (مريم: 43) .

وقوله تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام: (( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) (يوسف: 68)

وقوله تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام: (( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (يوسف: 96) . .

وقوله تعالى عن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: (( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (الأعراف: 62) .

وهذا موسى عليه الصلاة والسلام ، مع ما آتاه الله عز وجل من العلم العظيم ، فإنه لم يكتف به، وإنما طلب المزيد .. وقصة سفره (عليه الصلاة والسلام) إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه معروفة ، وقد قصها الله (عز وجل) علينا في كتابه الكريم ، والشاهد منها قوله تعالى: (( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) ) (الكهف: 66) .

وللشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه القصة كلام نفيس ، فليرجع إليه .

وقوله تعالى لنبيه محمد: (( قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ ) ) (الأنعام: 57) .

وقوله عن نفسه عندما تنزه بعض الصحابة عن شيء رخص فيه الرسول ، فُبلِّغ ذلك إليه ، فخطب ، فحمد الله ، ثم قال: (( ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ ! ، فو الله إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ) ) [1] .

الآثار على نفوس الأنبياء: وبعد سرد هذه الأدلة والتي هي على سبيل المثال لا الحصر نأتي الآن إلى أثر هذه البينات العظيمة في نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، الناشئة عن هذا العلم الشريف بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، لعلنا نهتدي بهذه الآثار الإيمانية المباركة ونسعى للتأسي بهم .

ومن هذه الآثار ما يلي:

أولًا: شدة تعظيمهم لله عز وجل وخوفهم منه:

فعلى الرغم من اصطفاء الله سبحانه لهم وحبه لهم وقربهم منه .. فإن هذه المزايا لم تزدهم لربهم إلا تعظيمًا، ومحبة ، وخوفًا منه سبحانه، وخشية . وهذه سنة الله سبحانه ؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربه كلما عظّمه في نفسه ، وخاف منه سبحانه خوف المحب لحبيبه ؛ خوفًا يقرب إلى الله عز وجل، وخوفًا يهضم العبد عنده نفسه ويحقرها ولا يرى لها فضلًا ولا طوعًا، وإنما يراها أهلًا للظلم والخطيئة والضعف ، إن لم يوفق الله تعالى صاحبها ويعينه عليها .

وهكذا كان شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأمثلة في ذلك كثيرة ،

منها: مناجاة نوح عليه الصلاة والسلام لربه بشأن ابنه: وقد جاء ذلك في قصة نوح مع قومه في سورة هود ، حيث يقول الله تعالى: (( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِين ) ) (هود: 45-47) .

ويظهر من هذه الآيات علم نوح عليه الصلاة والسلام بربه عز وجل ،والذي أثمر عنده هذا الأدب العظيم مع ربه والخوف منه سبحانه ؛ فتراه وهو يدعو ربه بشأن ابنه الهالك مع الكافرين يختم دعاءه بقوله: (( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ ) ).

ولم يقل: وأنت أرحم الراحمين، وهذا من كمال علمه عليه الصلاة والسلام بأسماء الله البالغة التي اقتضت أن يكون ابن نوح مع الهالكين ولم يكن مع الناجين ، ولذلك: ختم نوح عليه السلام دعاءه بقوله: (( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِين ) ). كما يظهر في هذه المناجاة خوف نوح عليه السلام من ربه ، واتهامه لنفسه بالظلم ، وطلبه المغفرة من ربه سبحانه ؛ وذلك في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت