الصفحة 2339 من 3812

1-هناك من يسوّغ كتم الحق بالخوف على النفس من الفتنة ، أو بالخوف على الناس من تبعات قول الحق وما يجر عليهم من المفاسد والفتن ؛ فإن كان من يقول هذا القول قد عُرف عنه التقوى والإخلاص والعلم بمقاصد الشريعة ؛ فإنه والحالة هذه مسؤول عما يقول وهو إن شاء الله تعالى مأجور على اجتهاده ، وليس هو ممن يلبس الحق بالباطل ، أو ممن يؤصّل ضعفه ويسوّغه بمسوغات شرعية . أما إن كان صاحب هذا القول ممن عرف عنه قلة الدين واللهث وراء الدنيا ، وعرف عنه كتم الحق خوفًا على دنيا فانية ، أو طمعًا في متاع زائل فإن موقفه والحالة هذه يُعد صورة من صور تأصيل الضعف ، ولبس الحق بالباطل ؛ حيث أظهر طمعه وخوفه في صورة الحرص على مقاصد الشريعة ومراعاة المصالح والمفاسد . والله سبحانه هو المطلع على ما في القلوب وهو علاّم الغيوب .

2-من المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الشريعة لا تقوم إلا به ، ولكن قد يتركه بعض الناس في بعض الظروف: إما لمسوغ شرعي كتخلف بعض شروطه ، أو لضعف وتخاذل مع بقاء هذه الشعيرة على أصلها في النفوس ، أما لو تحوّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع مرور الوقت وكثرة المنكرات وضعف الإيمان إلى أن يصبح السكوتُ وتركُ الأمر والنهي هو الأصل الذي يبحث له عن المسوغات الشرعية كدرء الفتنة ونحوها ، ثم يتحول الأمر والنهي إلى حالة استثنائية لا يقام به إلا عند توفر الشروط التي تُضخّم لتصبح أقرب إلى التعجيز منها إلى الإمكان إذا آل الأمر إلى هذه الحالة فإنه عين اللبس ، وهو تأصيل الضعف ؛ حيث انعكس الأمر فأصبح السكوت والضعف عن هذه الشعيرة العظيمة هو الأصل ، وما خالفه من الأمر والنهي هو المستثنى ، ونعوذ

بالله من الخذلان .

3-من المعلوم أن البراءة من المشركين والكفار أصل عظيم من أصول العقيدة ، لا يصح إيمان العبد إلا بها ، وقد يمر بالمسلم وقت لا يستطيع أن يجاهر بعدائه للكفار ، وقد يداريهم في الظاهر ؛ لكن قلبه ممتلئ ببغضهم والبراءة منهم ؛ لكن الخطير في هذا الأمر أن يستمرئ الناس مداراة الكفار في كل حين حتى يتحوّل الأمر إلى مداهنة وموالاة ، وحتى يؤول في النهاية إلى أن تؤصّل المداهنة الناشئة عن ضعف الإيمان وحب الدنيا ووهن العزيمة ، وتصبح هي الأصل ، وما خالفها طارئ وجزئي لا تُعارَض به ، كمن يؤصّل اليوم التسامح الديني وتقارب الأديان بحجة المصلحة الشرعية ونبذ التعصب . ومثله ما يراد للأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة من استسلام مهين مع شرذمة الخليقة وأعداء الرسل اليهود الغاصبين ؛ حيث تحوّل الجهاد في سبيل الله تعالى ومعاداة اليهود والنصارى إلى أمر مستغرب ؛ بل ومستنكر أحيانًا ، وأصبح التنازل عن هذا كله هو الأصل الذي لا يجوز خرمه . كما أصبح التعايش السلمي واحترام حدود العدو والسلام الدائم معه واحترام الشرعية الدولية المدّعاة هي الأصول التي لا يُسمح بالتنازل عنها والخروج عليها . وقد أدى هذا الأمر إلى أن يوجد في بعض بلاد المسلمين من يحشد الأدلة والشبهات لتأصيل هذا الخنوع ، وإضفاء الشرعية للسلام الدائم مع اليهود . وهل بعد ذلك مثال أوضح من هذا في تأصيل الضعف والهزيمة والهوان ؟ !

مجلة البيان: العدد: (137) التاريخ: محرم / 1420هـ .

السلعة الغالية .. وثمنها الغالي

لا شك في أن غاية ما يرجوه المسلم من عبادته لربه سبحانه في هذه الدنيا هو الفوز برضوانه تعالى وجنته ، والنجاة من سخطه والنار . ومن علامة توفيق الله سبحانه لعبده المؤمن أن يدله ويوفقه لأقرب الطرق وآكدها لتحصيل هذه الغاية العظيمة ، ولا شك في أن الطريق إلى ذلك هي طاعته سبحانه بإخلاص ومتابعة وترك معاصيه .

بإخلاصٍ ومتابعةٍ: هذا على وجه الإجمال . أما على وجه التفصيل والمفاضلة بين الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله عز وجل وأرضاها له فإن المستقرئ لكتاب الله - عز وجل - وما ورد فيه من صفات أهل جنته ورحمته ورضوانه ليجد شيئًا عجيبًا جديرًا بالتأمل والتدبر ؛ ذلك أن جُلَّ ما ورد من الآيات التي يذكر فيها سبحانه ما أعد لأوليائه في الجنة والرضوان يسبقها في العادة صفات الموعودين بذلك .

وبالتأمل في أوصافهم تلك نجدها تتحدث في الغالب عن المجاهدين والمهاجرين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، والصابرين على المحن والابتلاءات في طريق الدعوة إلى الله . والآيات في ذلك كثيرة أذكر منها على سبيل المثال - لا الحصر - ما يلي:

1-قوله تعالى: (إنَّ الَذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [البقرة: 218] .

2-قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) . [البقرة: 214] .

3-قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [آل عمران: 142] .

4-قوله تعالى: ( ولَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) [آل عمران: 157] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت