الصفحة 2338 من 3812

فعن أنس رضي الله عنه: (( أن رجلًا سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، فقال: متى الساعة ؟ قال:(وما أعددت لها ؟) قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ، فقال: (أنت مع من أحببت) ، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم ، وإن لم أعمل أعمالهم )) [7] .

يعلق الشيخ السعدي رحمه الله تعالى على صفات عباد الرحمن الواردة في آخر سورة الفرقان .

ورسل الله عليهم الصلاة والسلام أول من تصدق عليهم هذه الصفات فيقول:(ما أعلى هذه الصفات ، وأرفع هذه الهمم ، وأجل هذه المطالب ، وأزكى تلك النفوس ، وأطهر تلك القلوب ، وأصفى هؤلاء الصفوة ، وأتقى هؤلاء السادة ولله منّة الله على عباده ، أن بيّن لهم أوصافهم ، ونعت لهم هيئاتهم ، وبين لهم هممهم ، وأوضح لهم أجورهم ؛ ليشتاقوا إلى الاتصاف بهم ، ويبذلوا جهدهم في ذلك ، ويسألوا الذي منّ عليهم وأكرمهم الذي فضْلُه في كل مكان وزمان ، وفي كل وقت وأوان أن يهديهم كما هداهم ، ويتولاهم بتربيته الخاصة كما تولاهم ، فاللّهم لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان ، وبك المستغاث ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًّا ، ولا نقدر على مثقال ذرة من الخير إن لم تيسر ذلك لنا ، فإنا ضعفاء عاجزون من كل وجه ، نشهد أنك إن وكلتنا إلى

أنفسنا طرفة عين وكلتنا إلى ضعف وعجز وخطيئة ، فلا نثق يا ربنا إلا برحمتك التي بها خلقتنا ورزقتنا وأنعمت علينا بما أنعمت من النعم الظاهرة والباطنة ، فارحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك ، فلا خاب من سألك ورجاك) [8] .

[1] تفسير الطبري ، ت: شاكر ، عند الآية (90) من سورة الأنعام .

[2] تفسير المنار ، عند الآية (90) من سورة الأنعام .

[3] فتح القدير ، 5/206 .

[4] مجموع الفتاوى ، 15/178 .

[5] جامع الرسائل ، ص 55 2) .

[6] انظر لمزيد من التفصيل: منهج التاريخ الإسلامي ، للدكتور محمد بن صامل السلمي ، ص 58 74 .

[7] البخاري ، ح/6167 في كتاب الأدب ، ومسلم ، ح/2639 في كتاب البر والصلة .

[8] تفسير السعدي ، 3/455 .

ضعف التأصيل وتأصيل الضعف

إن الدعوة إلى الله عز وجل عبادة عظيمة من أعظم العبادات التي يحبها الله عز وجل ويُتقرب بها إليه سبحانه ولكن شأنها شأن العبادات الأخرى التي يشترط في قبولها عند الله تعالى أن يكون فيها إخلاص ومتابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وشَرَعه لأمته ؛ وهذا هو مفهوم التأصيل . والناظر في واقع الدعوة اليوم وما أثمرته من صحوة عامة وعودة إلى الدين والخير ومقارعة الفساد وأهله ليحمد الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة ، ويشكر القائمين على هذه الدعوة من علماء وطلاب علم ودعاة وموجهين ومحسنين ؛ كلٌ في مهمته ، وحسب ما قدم . ومع هذا الخير العظيم الذي لا يماري فيه عاقل محب للخير ؛ فإن هناك أمرين خطيرين ينبغي أن ينتبه إليهما الدعاة المخلصون ؛ لأنهما طالما كانا من معاول الهدم للدعوات الصحيحة ، أو كانا أداتي نخر وإفساد للدعوات الناشئة في بنائها . وهذان الأمران هما:

1 ضعف التأصيل . 2 تأصيل الضعف .

والمقصود بضعف التأصيل: الانطلاق في أمور الدعوة ومناهجها وأساليبها دون الرجوع إلى أصول الشريعة وما كان عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام رضي الله عنهم ، ودون الاهتمام بالمستند الشرعي والدليل العلمي لمنطلقات الدعوة ومناهجها ، والاكتفاء بآراء الرجال ، والتقليد الأعمى دون تمحيص هذه الآراء ، وهل هي توافق مقاصد الشريعة وأصول السيرة النبوية الطاهرة أم لا ؟ ! إن تربية النشء على قدسية أقوال فلان من الناس ، وأنها الحق الذي لا مرية فيه نهج خاطئ منحرف ، ومثال واضح لضعف التأصيل أو انعدامه .

كما أن ربط الصحة والخطأ في أمور الدعوة بالعقل والذوق ورغبات الناس هي الأخرى مثال لضعف التأصيل . والأمثلة كثيرة وليس المقام مقام تفصيل لها .. والمقصود: أن ضعف التأصيل ظاهرة خطيرة ، تُرى دائمًا وتظهر في أزمنة الجهل بالشريعة ، وضعف العلم الشرعي ، وترك الأخذ بالدليل الصحيح ، والاستعاضة عن ذلك بآراء الرجال وعقولهم وأهوائهم . وعلاج هذا الانحراف يكون في ربط الدعوة ومناهجها بالدليل ومقاصد الشريعة وقواعدها ، وإحياء العلم الشرعي بين الناس ، وأن لا عصمة إلا للرسول صلى الله عليه وسلم؛ وكل من عداه يؤخذ من قوله ويرد . وإحقاقًا للحق فإن كثيرًا من الدعوات اليوم ولله الحمد قد ثبّتت منهج التأصيل والرجوع إلى ما كان عليه سلف الأمة والاهتمام بالدليل ؛ وما ذاك إلا بسبب انتشار العلم وكثرة طلابه والتفافهم على العلماء ؛ وهذا يبشر بالخير إن شاء الله تعالى وإن كان التأصيل الشامل يحتاج إلى جهد كبير ، وتعاون عظيم بين العلماء والدعاة في ذلك .

أما الأمر الثاني فهو تأصيل الضعف: والمقصود بتأصيل الضعف هنا: هو أن يقع الإنسان في ضعف أو خطأ ، وعوضًا عن الاعتراف بهذا الضعف ، ومحاولة النهوض منه ومعالجته .. تراه يتكلف الاستدلال لضعفه هذا ببعض الأدلة الشرعية التي لا تصلح للاستدلال ، وقصده من هذا أن يظهر بمظهر المتقيد بالشرع ، وأنه ينطلق في مواقفه من أصول شرعية ، ولتوضيح هذه المسألة أضرب الأمثلة

الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت