الصفحة 2337 من 3812

سواءً ما يتعلق بالإيمان العظيم والتوحيد الصادق الذي عليه أنبياء الله عز وجل، أو فيما يتعلق بأخلاقهم وسلوكهم ، أو بهديهم ومنهجهم ، وصبرهم في الدعوة، والصراع مع الباطل وأهله، وإبراز هذه الجوانب من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو من أهم أغراض ورود قصص الأنبياء في القرآن الكريم ؛ حيث لم تأت لمجرد التسلية والمعرفة التاريخية فقط ، وإنما جاءت للاقتداء والتأسي بتوحيدهم لله والدعوة إليه ، والتعزي بحياتهم وصبرهم وجهادهم ؛ حتى لا تفتر عزائم الدعاة ويضعف صبرهم ، فلهم في هذا السلف المبارك أكبر عزاء وقدوة في الثبات وشحذ الهمم .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

(وفي قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم ؛ فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك ، ويعلموا أنه قد ابتلي به من هو خير منهم ، وكانت العاقبة إلى خير، فليتيقن المرتاب، ويتب المذنب ، ويقو إيمان المؤمنين ، فبها يصح الاتساء بالأنبياء) [4] .

رابعًا: وتأتي دراسة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في عصرنا الحاضر

ونحن في أشد الحاجة إلى دراستها من أي وقت مضى ؛ وذلك لما يشهده عصرنا من غربة في أحوال كثير من المسلمين وفرقة بين دعاة الحق ، وتسلط الأعداء ، وكيد المنافقين، وتخبط في بعض المناهج الدعوية ما بين يائس، ومداهن ، ومستعجل، وهذا يبرز أهمية التعرف على حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في واقعنا المعاصر؛ لعلّ في الدراسة المتجردة الواعية لهذه الحياة المباركة أن يقي الله سبحانه بها من التخبط والانحراف ، وأن يهدينا بها إلى الصراط المستقيم الذي يوحد صفوفنا ، ويبطل كيد أعدائنا ، ويوصلنا في النهاية إلى النصر والتمكين الذي نصر الله عز وجل به أنبياءه والمتبعين لهم بإحسان .

خامسًا: في دراسة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

تعرف على سنن الله عز وجل في التغيير، وتعرف على سننه سبحانه في الدفع والمدافعة ، كما أنها تكشف للدعاة إلى الله عز وجل ذلك الصراع الطويل المرير بين الحق والباطل ، وفي هذا أكبر العزاء لأهل الحق ؛ وذلك لإيمانهم بحتمية هذا الصراع ، وأن الدولة والعاقبة في نهاية الأمر للحق وأهله، وهذا كله لا يبرز بوضوح كما يبرز في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصراعهم مع أقوامهم: بالحجة والبيان ، والهجرة، والجهاد ، حتى أتاهم الله تعالى بنصره وتمكينه ؛ قال تعالى: (( وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُوفَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) ) [البقرة: 251] ، وقال تعالى: (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) [الحج: 40] .

وقال تعالى: (( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) ) [آل عمران: 140] .

وقال سبحانه عن السنن: (( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ) ) [آل عمران: 137] .

وإن في التعرف على هذه السنن الربانية لأعظم فائدة في تجنب الأخطاء وتوقي موارد الهلكة، ومعرفة أسباب النصر والتمكين .

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

(ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا ، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها ؛ لأن الاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره ؛ كالأمثال المضروبة في القرآن) [5] .

ومن السنن التي يمكن التعرف عليها من خلال دراسة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما يلي:

1-سوء عاقبة المكذبين للرسل وإهلاكهم .

2-نصره سبحانه لعباده المؤمنين .

3-مداولة الأيام بين الناس من الشدة إلى الرخاء .

4-زوال الأمم بسبب الترف ، والفساد ، وفشو الظلم ، والتجبر على الناس .

5-أن البشر يتحملون مسؤوليتهم في الخير والشر .

6-أن انهيار الأمم وهلاكها يكون بأجل .

7-أن الابتلاء للمؤمنين سنة جارية .

8-تقرير سنة التدافع والصراع بين الحق والباطل [6] .

سادسًا: ولعل في دراسة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بصدق ورغبة في اتباع هديهم سبيلًا إلى الانتظام في سلكهم والسير في قافلتهم المباركة

ولعل الله عز وجل أن يلحق من هذه نيته بركبهم الميمون ، وأن يحشره في زمرتهم ، فيصدق عليه قول الله تعالى: (( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكََ مَعَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ) ) [النساء: 69 ، 70] .

نسأله سبحانه أن يفيض علينا رضاه وجنته ، وأن ينعم علينا باللحوق بهذه الصفوة المباركة باتباعنا لهم ، وحبنا إياهم ، وإن قصرت أعمالنا وأحوالنا عنهم كثيرًا كثيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت