الصفحة 2336 من 3812

(( أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) ): يقول الله: (( أُوْلَئِكَ ) )هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين ، هم الذين هداهم الله لدين الحق ، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه والقيام بحدوده ، واتباع حلاله وحرامه ، والعمل بما فيه من أمر الله ، والانتهاء عما فيه من نهيه ، فوفقهم (جل ثناؤه) لذلك، (( فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) )، يقول: تعالى: فبالعمل الذي عملوا ، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم ،والتوفيق الذي وفقناهم (( اقْتَدِهْ ) )يا محمد ، أي: فاعمل وخذ به واسلكه ، فإنه عمل لله فيه رضًا ، ومنهاج من سلكه اهتدى) [1] .

والأمر له صلى الله عليه وسلم أمر لأمته ، لقوله تعالى: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) ) [الأحزاب: 21]

وقال صاحب المنار رحمه الله تعالى:

( فمعنى الجملة على هذا: أولئك الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في الآيات المتلوة آنفًا والموصوفون في الآية الأخيرة بإيتاء الله إياهم الكتاب والحكم والنبوة، هم الذين هداهم الله تعالى الهداية الكاملة ،فبهداهم دون ما يغايره ويخالفه من أعمال غيرهم وهفوات بعضهم اقتد أيها الرسول فيما يتناوله كسبك وعملك، مما بعثت به من تبليغ الدعوة وإقامة الحجة، والصبر على التكذيب والجحود وإيذاء أهل العناد والجحود، ومقلدة الآباء

والجدود ، وإعطاء كل حال حقها من مكارم الأخلاق وأحاسن الأعمال، كالصبر والشكر، والشجاعة والحلم ، والإيثار والزهد، والسخاء والبذل ، والحكم بالعدل) [2]

ومن الآيات التي ورد فيها أيضًا الأمر بالاقتداء بهدي الأنبياء: قوله تعالى: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ ) ) [الممتحنة: 4] .

قال الشوكاني رحمه الله تعالى:

وقوله تعالى: (( فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) )متعلق بأسوة أوبحسنة ، أوهو نعت لأسوة ، أو حال من الضمير المستتر في حسنة ، أو خبر كان، و (( لَكُمْ ) )للبيان ، (( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) )هم أصحابه المؤمنون، وقال ابن زيد: هم الأنبياء) [3] .

ومن الآيات الواردة في الأمر بالاهتداء بهدي الأنبياء:

ما شرعه الله عز وجل في سورة الفاتحة في كل صلاة أن ندعوه سبحانه بأن يهدينا صراطهم المستقيم ، وذلك في قوله تعالى: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أََنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ).

وأول من يدخل في وصف المنعَم عليهم هم أنبياء الله تعالى وأتباعهم ؛ وذلك لقوله تعالى بعد أن ذكر جملة من الأنبياء الكرام في سورة مريم: (( أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًا ) ) [مريم: 58] .

ثانيًا: لأن حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي الحياة المعصومة

خاصة فيما يتعلق بالعقيدة ، وما أُمروا بتبليغه ؛ ذلك لأن الله تعالى اجتباهم واصطفاهم عن علم وحكمة ؛ قال تعالى: (( وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ) ).

وقال سبحانه عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام: (( إنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ) ) [سورة ص: 46 ، 47] ، وقال عن نبيه موسى عليه الصلاة والسلام: (( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) ) [طه: 39] ، وقال عن علمه سبحانه بمن يختار من رسله: (( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) ) [الأنعام: 124] .

وقال سبحانه: (( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ) ) [الحج: 75] ، والآيات في ذلك كثيرة ، والحاصل منها: أن من اصطفاه الله عز وجل واجتباه لرسالته هم أولى بالاتباع والاقتداء ؛ وذلك لحفظ الله عز وجل لهم وعصمته لهم من الزلل والانحراف، ولو وقع منهم الخطأ لم يُقَرّوا على ذلك ، فحري بمن هذه صفاتهم أن يُقتدى بهم ، وتُدرس حياتهم، ويُتعرف على هديهم ؛ وذلك لضمان الاهتداء وعدم الانحراف، لهداية الله عز وجل لهم وعصمته لهم، فيتم الاقتداء من المقتدين وهم في غاية الاطمئنان على صحة ما يأخذونه ويقتدون به وسلامته من الانحراف .

ثالثًا: في دراسة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) أكبر العظات والعبر للدعاة إلى الله عز وجل في كل مكان وزمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت