فهرس الكتاب
وهو الذي قال له ربه عز وجل: (( وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) ) (الإنسان: 26) .
وقال له: (( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا ) ) (مريم: 65) ، وأكتفي بشاهد من أحواله الكثيرة في عبادته وقوته فيها:
فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قام النبي حتى تورمت قدماه ، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا ؟ ! ) ) [12] .
وأخيرًا: فهذه أحوال المصطفين الأخيار من أنبياء الله عز وجل ، وما سبق ذكره إن هو إلا جانب يسير وغيض من فيض من صلتهم بالله عز وجل ، ذكرًا وتسبيحًا ودعاءً وصلاة ، فهل من مشمر للأخذ بهديهم كما أمر الله عز وجل (( فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) )؟ ، وهل بقي مجال لأحد أن يعتذر بكثرة المشاغل الدعوية وطلبىالعلم في التفريط في هذا الزاد العظيم ؟ .
وتبقى مسألة مهمة تبرز للمتأمل في تلك الكلمات والجُمل العطرة الجامعة ، والتي تتألف منها أذكارهم وأدعيتهم عليهم الصلاة والسلام، ألا وهي: تجريد التوحيد لله عز وجل وإخلاص العبادة له وحده .
فهل بقي عذر لمن يتوجه إلى الأنبياء أو غيرهم في جلب نفع أو دفع ضر ، وهذا هو شأنهم مع ربهم في دعائهم له ؟ .
[1] البخاري ، ح/6101 ، ك/ الأدب ، ومسلم ، ح/2356 ، ك/ الفضائل
[2] البخاري ، ح/834 ، ك/ الأذان ، ومسلم ، ح/2705 ، ك/ الذكر والدعاء
[3] البخاري ، ح/6101 ، ك/ الأدب ، ومسلم ، ح/2356 ، ك/ الفضائل .
[4] البخاري ، ح/6486 ، ك/ الرقاق ، ومسلم ، ح/2359 ، ك/ الفضائل .
[5] رواه مسلم ، ك/ الاستسقاء ، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم ، ح/ 899
[6] صحيح سنن ابن ماجة ، ح/ 69 ، 1/21 .
[7] بدائع التفسير ، 3/189 .
[8] تفسير السعدي ، 3/209 .
[9] بدائع التفسير ، 2/476 .
[10] الترمذي ، ح/2141 ، في القدر ، وقال: حسن صحيح .
[11] مجموع الفتاوى ، 19/170
[12] مسلم ، ح/ 772 ، ك/ صلاة المسافرين .
لماذا ندرس حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد:
فإن مهمة الرسل عليهم الصلاة السلام مهمة عظيمة شريفة ، يجب أن يعرفها الناس ويفقهوها ، ويعرفوا حقوق هؤلاء الرسل الكرام ويتخذوها منهاجًا ، يهتدون بهديه ، وبخاصة من نسب نفسه إلى الدعوة إلى الله تعالى، حيث يتعين عليه دراسة حياة رسل الله عز وجل ليترسم طريقهم إن أراد الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة .
ولما كانت حياتهم عليهم الصلاة والسلام هي حياة الكمّل من الناس، الذين اختارهم الله عز وجل عن علم وحكمة ، واصطفاهم على البشر: كان لا بد أن نتعرف على هذه الحياة المباركة ، التي صُنعت على عين الله تبارك وتعالى ، كما كان لزامًا على من أراد لنفسه النجاة في الدنيا والآخرة فردًا كان أو جماعة أن يدرس هذه الحياة المباركة، وبخاصة في عصور الغربة والغرباء كعصرنا الحاضر ؛ علّها أن تكون نبراسًا لحياتنا ، ونجاة لأمتنا مما هي فيه في كثير من البلدان من واقع أليم .
ويمكن إبراز أهمية دراسة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من خلال أمور كثيرة ، أهمها ما يلي:
أولًا: لأننا مأمورون من الله عز وجل بالاقتداء بهم والتأسي بهديهم .
وفي ذلك طاعة لله سبحانه وعبادة له قبل كل شيء ، ومن هذه الآيات:ما ذكره الله عز وجل في سورة الأنعام من شأن بعض أنبيائه ورسله، ثم ختم هذه الآيات بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهديهم، والأمر له صلى الله عليه وسلم أمر لأمته ، قال الله تعالى: (( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًاوَكُلًاّ فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إلَىصِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ* ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) ) [الأنعام: 83 90] .
قال الطبري (رحمه الله تعالى) عند الآية الأخيرة: