فهرس الكتاب
ذكر الله عز وجل في آخر سورة الأنبياء مجموعة من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهم يسألون ربهم ويتضرعون إليه في قضاء حوائجهم، ويتوسلون إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، كما يتوسلون بفاقتهم وافتقارهم إلى الله عز وجل. ومن ذلك قول الله تعالى: (( وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) ) (الأنبياء: 83- 84 ) .
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الدعاء الخاشع من أيوب عليه الصلاة والسلام): (جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود طعم المحبة في التملق له ، والإقرار له بصفة الرحمة وأنه أرحم الراحمين ، والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره ، ومتى وجد المبتلى هذا كشفت عنه بلواه) [7] .
وفي قوله تعالى: (( وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) )أي: إن في صبر أيوب عليه الصلاة والسلام ودعائه عبرة للعابدين من بعده ؛ ليقتدوا بصبره وعبادته ودعائه ويقينه .
* خشوعهم وبكاؤهم عند ذكر الله عز وجل:
فبعد أن ذكر الله عز وجل مجموعة من الأنبياء في سورة مريم أثنى عليهم بقوله تعالى: (( أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًا ) ))مريم: 58).
يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: فهذه خير بيوت العالم اصطفاهم الله ، واختارهم واجتباهم، وكان لهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم ، المتضمنة للإخبار بالغيوب ، وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد .
(( خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًا ) )أي: خضعوا لآيات الله ، وخضعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة، والسجود
لربهم ) [8] .
وقوله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تًَاوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) ) (يوسف: 101 ) .
يقول السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه) .
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى عند هذه الآية أيضًا: (جمعت هذه الدعوة: الإقرار بالتوحيد ، والاستسلام للرب ، وإظهار الافتقار إليه ، والبراءة من موالاة غير الله سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد ، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد ، والاعتراف بالمعاد ، وطلب مرافقة السعداء) [9] .
وأختم هذه الأدعية النبوية بذلك الدعاء الذي كثيرًا ما كان يلهج به الرسول ويردده ؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) )، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنا بك وبما جئت به ، فهل تخاف علينا ؟ ، قال: (( نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) ) [10] .
فإذا كان هذا هو حال أنبياء الله عز وجل وصفوته من خلقه فحري بمن
دونهم أن يخاف على نفسه من سوء الخاتمة ، فمن ذا الذي يأمن الفتنة بعد أنبياء الله عز وجل ؟
* القوة في طاعة الله تعالى وعبادته:
هذه الصفة العظيمة من أبرز ما في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، حيث إنهم أكثر الناس عبادة وصلاة وإخباتًا لله عز وجل ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: (( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ) ) (ص: 45)
وعن عطاء الخراساني: (( أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ) )، قال: أولو القوة في العبادة والعلم بأمر الله ، وعن مجاهد
وروي عن قتادة قال: ( أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين ) ) [11] .
والشواهد في ذكر عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثيرة، منها:
قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) ) (ابراهيم: 40) .
وقوله تعالى في مدح إسماعيل عليه الصلاة والسلام: (( وَكَانَ يًَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًا ) ) (مريم: 55) .
وقوله تعالى في مدح إسحاق ويعقوب: (( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإقَامَ الصَّلاةِ وَإيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِين ) ) (الأنبياء: 73) .
أما عن نبينا محمد وكثرة عبادته وقوته فيها فهي كثيرة جدًّا ، مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ..ولا غرابة في ذلك ؛ فهو الذي امتلأ قلبه معرفة بربه سبحانه وحبًّا وتعظيمًا له ، وهو الذي قال له ربه سبحانه: (( يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا ) ) (المزمل: 1- 4) .