الصفحة 2343 من 3812

وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن النظر المحرم وما يؤول إليه من الوقوع في الفواحش.. بل وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك بالله ـ تعالى ـ فكان مما قاله: (وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: أن لا يأتي كبيرة، ولا يصر على صغيرة.

بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك، كما قال ـ تعالى ـ: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أََندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) ) [البقرة: 165] ، ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله ـ تعالى ـ إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم لوط المشركين) (20) .

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (وقد جعل الله ـ سبحانه ـ العين مرآة القلب فإذا غضّ العبد بصره، غضّ القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته) .

ـ إلى أن قال ـ والنظرة إذا أثّرت في القلب، فإن عجل الحازم وحسم المادة من أولها سهُل علاجه، وإن كرر النظر ونقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن) (21) .

ومن أشد الوسائل ضررًا وشرًا: اختلاط النساء بالرجال؛ فإن هذا الاختلاط أنكى وسيلة في الانغماس في الفواحش والقاذورات، وقد كثر في هذا الزمان من يطالب بهذا الاختلاط ويدعو إليه؛ حيث ينادون بمزاحمة النساء للرجال في جميع المجالات والأعمال، زاعمين أنهم يريدون الخير والإصلاح لمجتمعاتهم، ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.

قال ابن القيم متحدثًا عن مفاسد الاختلاط: (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة.. وهو من أسباب الموت العام والطواعين المهلكة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى ـ عليه السلام ـ وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفًا، والقصة مشهورة في كتب التفسير؛ فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات) (22) .

وها هنا أمر مهم بنبغي التنبيه عليه، وهو أن الولع والانكباب على الشهوات سببه ضعف التوحيد، فإن القلب كلما كان أضعف توحيدًا وأقل إخلاصًا لله ـ تعالى ـ كان أكثر فاحشة وشهوة (23) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في هذه المسألة ـ: (وهذا [أي العشق والشهوات] إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله الذين فيهم نوع من الشرك، وإلا فأهل الإخلاص، كما قال الله ـ تعالى ـ في حق يوسف ـ عليه السلام ـ:(( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ ) ) [يوسف: 24] فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت ـ مع تزوجها ـ فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف ـ عليه السلام ـ مع عزوبته، ومراودتها له، واستعانتها عليه بالنسوة، وعقوبتها له بالحبس على العفة، عصمه الله بإخلاصه له، تحقيقًا لقوله: (( لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ )) [ص: 82، 83] ، قال ـ تعالى ـ: (( إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ ) ) [الحجر: 42] والغي هو اتباع الهوى (24) .

إن الافتتان بالنساء والولع بهن يورث أنواعًا من العقوبات والمفاسد في الدنيا والآخرة.

وأشار ابن الجوزي إلى تنوع هذه العقوبات فقال: (اعلم أن العقوبة تختلف: فتارة تتعجل، وتارة تتأخر، وتارة يظهر أثرها، وتارة يخفى. وأطرف العقوبات ما لا يحس بها المعاقَب، وأشدها العقوبة بسلب الإيمان والمعرفة، ودون ذلك موت القلب ومحو لذة المناجاة منه، وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن، وإهمال الاستغفار، ونحو ذلك مما ضرره في الدين. وربما دبّت العقوبة في الباطن دبيب الظلمة، إلى أن يمتلئ أفق القلب، فتعمى البصيرة، وأهون العقوبة ما كان واقعًا بالبدن في الدنيا، وربما كانت عقوبة النظر في البصر. فمن عرف لنفسه من الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يرُدّ ما يَرِد) (25) .

وتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية عن عقوبات الشهوة المحرمة، فكان مما قاله: (فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يَدان فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذابًا وأقلهم ثوابًا؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها، مستعبَدًا لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. ومن أعظم هذا البلاء إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له، لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب) (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت