الصفحة 2344 من 3812

وقال أيضًا: (ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب؛ فإن الشهوة توجب السّكْر، كما قال ـ تعالى ـ عن قوم لوط:(( إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ) [الحجر: 72] ، وفي الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (العينان تزنيان وزناهما النظر) الحديث إلى آخره. فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث كالنظر والاستماع والمخاطبة، ومنهم من يرتقي إلى اللمس والمباشرة، ومنهم من يقبّل وينظر، وكل ذلك حرام، وقد نهانا الله ـ عز وجل ـ أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما هو دون ذلك من هجر وأدب باطن ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة في هذا الحديث المتقدم وغيره) (27) .

وتحدّث ابن القيم ـ في غير موضع ـ عن مفاسد الزنا وما يحويه من أنواع الشرور... فكان مما قاله ـ رحمه الله ـ:(والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع، وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله...

ومن موجباته: غضب الرب بإفساد حرمة عياله، ومنها: سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت، ومنها ظلمة القلب وطمس نوره... ومنها أنه يذهب حرمة فاعله، ويسقط من عين ربه ومن أعين عباده، ومنها أن يسلبه أحسن الأسماء ويعطيه أضدادها. ومنها ضيق الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضدّ قصودهم؛ فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سببًا إلى خير قط) (28) .

وقال في موضع آخر: (واعلم أن الجزاء من جنس العمل والقلب المعلّق بالحرام، كلما همّ أن يفارقه ويخرج منه عاد إليه، ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي الآخرة هكذا...

وفي بعض طرق حديث سَمُرة بن جندب الذي في صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فانطلقت معهما، فإذا بيت مبني على مثل بناء التنور أعلاه ضيّق وأسفله واسع، يوقد تحته نار، فيه رجال ونساء عراة، فإذا أوقدت النار ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا، فإذا أخمدت رجعوا فيها، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هم الزناة) . فتأمل مطابقة هذا الحديث لحال قلوبهم في الدنيا؛ فإنهم كلما هموا بالتوبة والإقلاع والخروج من تنور الشهوة إلى فضاء التوبة أُركِسوا فيه وعادوا بعد أن كادوا يخرجون) (29) .

وقال في موضع ثالث: (وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه، ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ بهما عشر معشار من يفعله نادرًا في الأحيان) (30) .

ومما ذكره الشيخ محمد الخضر حسين ـ رحمه الله ـ في مفاسد البغاء: (في البغاء فساد كبير، وشر مستطير: يفتك بالفضيلة، يدنس الأعراض، يعكر صفو الأمن، يفصم رابطة الوفاق، يبعث الأمراض القاتلة في الأجسام، وأي حياة لجماعة تضيع أخلاقها وتتسخ أعراضها، ويختل أمنها، وتدب البغضاء في نفوسها، وتنهك العلل أجسامها؟) (31) .

الهوامش:

(1) الدرر السنية، 2/21، وانظر: تاريخ ابن غنام 2/52، 298، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 1/34.

(2) العبودية ص112-114، بتصرف، وانظر: مجموع الفتاوى 10/185-187، والفوائد لابن القيم ص 186.

(3) روضة المحبين، ص11، وانظر: ذم الهوى، لابن الجوزي، ص35.

(4) مجموع الفتاوى، 10/594، 595، بتصرف يسير.

(5) سير أعلام النبلاء 10/97.

(6) ذم الهوى، لابن الجوزي، ص36، باختصار.

(7) الفوائد، ص131.

(8) أخرجه مسلم في الذكاة (1049) ، والترمذي في المناقب (3793) و (3898) .

(9) فتاوى علي الطنطاوي، ص146، وانظر: صيد الخاطر، لابن الجوزي، ص261.

(10) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، 274، 2741. والترمذي في الأدب 2780.

(11) انظر: ذم الهوى، لابن الجوزي ص179، وروضة المحبين، ص 203.

(12) انظر: ذم الهوى، لابن الجوزي، ص178، وروضة المحبين ص 197.

(13) ذم الهوى، ص 409.

(14) البداية، 11/64.

(15) انظر: إغاثة اللهفان، 1/369.

(16) أخرجه البخاري ومسلم.

(17) إغاثة اللهفان، 1/370، 371.

(18) انظر: ذم الهوى، لابن الجوزي، ص116.

(19) ذم الهوى، ص106.

(20) مجموع الفتاوى، 15/292، 293.

(21) روضة المحبين، ص92، 94، 95، باختصار يسير.

(22) الطرق الحكمية، ص259.

(23) انظر: الفوائد، لابن القيم، ص75.

(24) مجموع الفتاوى، 51/421.

(25) ذم الهوى، ص217.

(26) مجموع الفتاوى، 10/187.

(27) مجموع الفتاوى، 15/288، 289.

(28) روضة المحبين، ص360.

(29) روضة المحبين، ص442.

(30) روضة المحبين، ص470.

(31) رسائل الإصلاح، ص23.

علاج شهوة النساء:

بعد أن فصّلنا الحديث عن هذه الشهوة نورد علاجها وسبيل النجاة منها، وقد بسط أبو الفرج ابن الجوزي في (ذم الهوى) وابن القيم في (روضة المحبين) الحديث عن العلاج، وأطنبا في وصفه وتشخيصه، وتميّز ابن الجوزي بإيراد علاج لكل مرحلة من مراحل هذه الشهوة، فجعل للنظر المحرم علاجًا، وجعل للخلوة بالنساء علاجًا وهكذا. وأما ابن القيم فقد ساق خمسين وسيلة في علاج هذه الشهوة على سبيل الإجمال والعموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت