(إن طلاب الرياسة ليسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض، وتعبّد القلوب لهم، وميلها إليهم، ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق الله، وتعظيم من حقّره الله، واحتقار من أكرمه الله، ولا تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تُنال إلا به وبأضعافه من المفاسد، والرؤساء في عمىً عن هذا؛ فإذا كُشف الغطاء تبيّن لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حُشِروا في صُوَرِ الذرّ يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتصغيرًا كما صغّروا أمر الله وحقروا عباده) (28) .
وإذا تقرر ذم حب الرياسة وبيان مفاسدها، فإن حب الإمارة للدعوة إلى الله ـ تعالى ـ يفارق حب الرياسة؛ فإن مقصود هذه الإمارة تعظيم الله ـ تعالى ـ وأمره، وأما مقصود حب الرياسة فهو تعظيم النفوس والسعي في حظوظها، وأئمة العدل وقضاتهم لا يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده وإفراده بالعبودية، ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى الله وحده. فمن سأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين لم يضره ذلك، بل يُحمد عليه؛ لأنه داعٍ إلى الله يحب أن يعبد ويطاع، فهو يحب ما يكون عونًا على ذلك موصلًا إليه (29) .
إن على أهل العلم وطلابه أن يحذروا من شهوة حب الرياسة والشهرة، فإنه داء عضال ينبغي المسارعة في علاجه بالتوبة إلى الله ـ تعالى ـ وتزكية النفس ومحاسبتها.
يقول سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ: (الرياسة أحب إلى القراء من الذهب الأحمر) (30) .
وقد تحدث أبو الفرج ابن الجوزي عن أولئك العلماء المولعين بالرياسات والشهرة فقال:(واليوم صارت الرياسات من كل جانب، وما تتمكن الرياسات حتى يتمكن من القلب: الغفلة، ورؤية الخلق، ونسيان الحق؛ فحينئذ تطلب الرياسة على أهل الدنيا.
ولقد رأيت من الناس عجبًا حتى من يتزيا بالعلم، إن رآني أمشي وحدي أنكر عليّ، وإن رآني أزور فقيرًا عظّم ذلك، وإن رآني أنبسط بتبسم نقصت من عينه، فقلت: فوا عجبًا هذه كانت طريق الرسول صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضي الله عنهم ـ، فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه، لا جَرَمَ واللهِ! سقطتم من عين الحق، فأسقطكم من عين الخلق...
فالتفِتوا إخواني إلى إصلاح النيات، وترك التزين للخلق، ولتكن عُمدتكم الاستقامة مع الحق؛ فبذلك صعد السلف وسعدوا) (31) .
وفي ختام هذه المقالة نسأل الله ـ تعالى ـ أن يرزقنا الهدى والتقوى والعفاف والغنى، وأن يجنبنا شهوات الغي ومضلات الهوى، وبالله التوفيق.
الهوامش:
(1) ذم الهوى، ص 498.
(2) ذم الهوى، ص 501، 502، باختصار يسير، وانظر ص 537.
(3) ذم الهوى، ص 546، 547، باختصار يسير.
(4) روضة المحبين ص 472.
(5) المرجع السابق، ص473.
(6) المرجع السابق 474.
(7) المرجع السابق، 478.
(8) المرجع السابق 479.
(9) المرجع السابق، ص481، 482.
(10) ذم الهوى، ص 483، 484.
(11) أخرجه ابن المبارك في الزهد، ص 189.
(12) سير أعلام النبلاء، 4/579.
(13) أخرجه أبو نعيم في الحلية، 2/152، وانظر: سير أعلام النبلاء، 4/576.
(14) الفوائد، ص 87-89، باختصار.
(15) عدة الصابرين، ص 185، 186، باختصار.
(16) مختصر الفتاوى المصرية، ص 29، وانظر: شجرة المعارف والأحوال، للعز بن عبد السلام، ص 7.
(17) شرح حديث (ما ذئبان جائعان...) ص 7-11، باختصار.
(18) مختصر الفتاوى المصرية، ص 493، وانظر ص 95، وانظر مجموع الفتاوى، 10/189، 190، ومختصر منهاج القاصدين، لأحمد بن قدامة، ص 195.
(19) عدة الصابرين، ص 198، 199، باختصار.
(20) أخرجه أبو نعيم في الحلية، 6/381.
(21) شرح حديث ما (ذئبان جائعان) ص 7، 13، باختصار.
(22) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
(23) شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ، ص 7، 13، باختصار.
(24) شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ص 13، 15، 16، 20، باختصار.
(25) مجموع الفتاوى، 8/218،-باختصار.
(26) شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ، ص 14.
(27) المرجع السابق، ص 29.
(28) كتاب الروح، ص 433، 434.
(29) انظر: كتاب شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ، ص 19، وكتاب الروح، ص 432
(30) كتاب الورع، للإمام أحمد بن حنبل، ص 91.
(31) صيد الخاطر، ص 227، وانظر ص 360، وانظر: أخلاق العلماء للآجري، ص 157
دروس من حياة سلفنا الصالح
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء عليهم السلام ، وسبيل العلماء الربانيين ، ولذا كانت أفضل القربات ، وأعظم المقامات.
قال تعالى: (( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) ) (1)
والدعوة إلى الله تعالى لابد أن تكون صحيحة المقصد، سليمة المنهج وهذا هو سبيل دعوة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن تبعه بإحسن ، كما قال عز وجل: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ) (2)
ولقد سلك سلفنا رحمهم الله هذا الطريق، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر وعلموا الناس الخير، وبلّغوا البلاغ المبين عبر وسائل متعددة: كالتدريس والحسبة، والوعظ، والفتيا، والقضاء وغيرها... لقد قام أولئك السلف بهذه الدعوة ابتغاء وجه الله تعالى، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكورًا وفي الوقت نفسه التزموا بسلامة المنهج من خلال الاتباع وترك الابتداع.