الصفحة 2350 من 3812

والصحوة الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى التعرف على أمثلة عملية ومشاهد واقعية من دعوة السلف الصالح ؛ لكي تكون تلك المواقف حافزًا مشجعًا للتأسي بهم، والسير على منوالهم.

قال أحد العلماء: »من نظر في سيرة السلف عرف تقصيره ، وتخلفه عن درجات الرجال«.

وهذه المقالة تحوي جملةً من المشاهد الدعوية من حياة السلف ، نعرضها على النحو التالي:

كان زاذان يشرب المسكر ، ويضرب بالطنبور ، ثم رزقه الله التوبة على يد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فصار زاذان من خيار التابعين ، وأحد العلماء الكبار ، ومن مشاهير العباد والزهاد. (3)

وإليك قصة توبته ، كما يرويها زاذان نفسه قائلًا:

« كنت غلامًا حسن الصوت ، جيد الضرب بالطنبور ، فكنت مع صاحب لي وعندنا نبيذ وأنا أغنيهم ، فمر ابن مسعود فدخل فضرب الباطية (الإناء) فبددها وكسر الطنبور ، ثم قال: لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت، ثم مضى، فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مسعود ، فأُلْقِيت في نفسي التوبة، فسعيت أبكي، وأخذت بثوبه، فأقبل عليّ فاعتناقني وبكى وقال: مرحبًا بمن أحبه الله، اجلس، ثم دخل، وأخرج لي تمرًا» . (4)

ولنا وقفة مع هذه القصة ، فمن خلال هذا السياق نلمس صدق ابن مسعود رضي الله عنه وحسن نيته، وصحة قصده في دعوته لزاذان، مما كان سببًا في هداية الرجل وتوبته وكما قال عبدالقادر الجيلاني (ت 561 هـ) رحمه الله معلقًا على تلك القصة:

« انظر إلى بركة الصدق والطاعة وحسن النية، كيف هدى الله زاذان بعبد الله بن مسعود لما كان صادقًا حسن السيرة، فلا يصلح بك الفاسد حتى تكون صالحًا في ذات نفسك، خائفًا لربك إذا خلوت، مخلصًا له إذا خالطت غير مراء للخلق في حركاتك وسكناتك، موحدًا لله عز وجل في ذلك كله وحين يزاد في توفيقك وتسديدك ، وتحفظ عن الهوى والإغواء من شياطين الجن والإنس والمنكرات كلها والفساق والبدع والضلالات أجمع، فسيزال بك المنكر من غير تكليف، ومن غير أن يصير المعروف منكرًا، كما هو في زماننا، ينكر أحدهم منكرًا واحدًا، فيتفرع منه منكرات جمة، وفساد عظيم..» . (5)

وأمر آخر نستفيده من هذه القصة، وهو أن ابن مسعود رضي الله عنه سلك أُولى الوسائل الشرعية في تغيير المنكر، فلما كان قادرًا على تغيير المنكر بيده، أزاله بيده فكسر الطنبور، وأتلف وعاء النبيذ.

لقد ضرب ابن مسعود رضي الله عنه مثالًا رائعًا في الشجاعة والإقدام على الصدع بالحق، وتغيير المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، مع كونه وحيدًا، وهم جماعة كما هو ظاهر سياق القصة ، إضافة إلى قصره ونحافته رضي الله عنه.

لكن لما كان ابن مسعود معظمًا لحرمات الله تعالى وشعائره أورثه ذلك مهابةً وإجلالًا.. وصدق عامر بن عبد القيس رحمه الله حيث يقول: «من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كل شيء » . (6)

ومع هذا التغيير باليد، فإننا ندرك مدى شفقة ابن مسعود رضي الله عنه وكمال رفقه، وتمام نصحه لزاذان، فإن زاذان لما أقبل تائبًا، أقبل عليه ابن مسعود رضي الله عنه وعانقه وبكى فرحًا بتوبة زاذان، وحياه بأجمل عبارة مرحبًا بمن أحبه الله، كما قال سبحانه: (( إن الله يحبَ التوابين ويحبَ المتطهرين ) ) (7) ، ليس هذا فحسب بل أجلسه وأدناه ، وأعطاه تمرًا.

وهكذا كان أهل السنة يعلمون الحق ويدعون إليه، ويرحمون الخلق وينصحون لهم.

كما نلحظ من هذه القصة ذكاء ابن مسعود وفطنته (8) ، فانظر كيف استجاش زاذان إلى التوبة، فإن زاذان كان مغنيًا حسن الصوت، فقال له ابن مسعود: « لو كان ما سمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن لكنت أنت أنت » وفي رواية قال: »ما أحسن هذا الصوت! لو كان بقراءة كتاب الله تعالى كان أحسن».

إن التوجيه السديد للمواهب والقدرات، ووضعها في محلها الملائم شرعًا، إضافة إلى مراعاة طبيعة النفس البشرية، والعلم بنوازعها ومشاعرها، عامل مهم لنجاح الدعوة فإن النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء فلابد من مراعاة »البديل« المناسب، وهذا ما فقهه ابن مسعود رضي الله عنه وغاب عن الكثيرين.

يقول ابن تيمية: « الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه كما يأمر بعبادة الله سبحانه، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره» . (9)

كان حبيب العجمي من ساكني البصرة، وكان من أهل التجارة والأموال، حتى حضر مجلسًا للحسن البصري رحمه الله، وسمع موعظته فوقعت موعظته من قلبه، فصار من أفضل زهاد أهل البصرة وعبادها.

وإليك القصة تفصيلًا:

« كان الحسن البصري يجلس في مجلسه الذي يذكر فيه كل يوم، وكان حبيب العجمي رحمه الله يجلس في مجلسه الذي يأتيه أهل الدنيا والتجارة وهو غافل عما فيه الحسن لا يلتفت إلى شيء من مقالته، إلى أن التفت يومًا فسأل عما يقوله الحسن البصري، فقيل له: يذكر الجنة، ويذكر النار، ويرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا، فوقر ذلك في قلبه، فقال: اذهبوا بنا إليه فأتاه، فقال جلساء الحسن يا أبا سعيد هذا حبيب قد أقبل إليك فعظه، وأقبل عليه فأقبل عليه الحسن فذكّره الجنة وخوّفه النار، ورغّبه في الخير، وزهده في الدنيا فتأثر حبيب بتلك الموعظة، وتصدق بأربعين ألفا، وقنع باليسير، وعَبَدَ الله حتى أتاه اليقين » . (10)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت