أخي القارئ: لعلك تلحظ صدق الحسن البصري رحمه الله في دعوته، وسلامة قصده، حتى أثرت موعظته في قلب حبيب العجمي، فنقلته تلك الموعظة الصادقة من ضجيج الأسواق، وصخب التجارة إلى أن صار عابدًا زاهدًا، ذا دعاء مستجاب، وكرامات مأثورة كما صار صاحب بذل وإنفاق في سبيل الله تعالى.
وما أروع مقالة مالك بن دينار في هذا المقام:
« الصدق يبدو في القلب ضعيفًا ، فيتفقده صاحبه، ويزيده الله تعالى حتى يجعله الله بركة على نفسه، ويكون كلامه دواءً للخاطئين » .
ثم قال مالك: « أما رأيتموهم ؟ثم يرجع إلى نفسه فيقول: بلى والله لقد رأيناهم: الحسن البصري،وسعيد بن جبير وأشباههم، الرجل منهم يحيى الله بكلامه الفِئام [ الجماعات ] من الناس» . (11)
ولما سمع زين العابدين علي بن الحسين موعظة للحسن ، قال: « سبحان الله هذا كلام صدّيق» . (12)
ولقد سئل أحد العلماء: « ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟« فقال: » لأنهم تكلموا لعز الإسلام ، ونجاة النفوس ، ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلبًا للدنيا ورضا الخلق ». (13)
ومن أسباب الانتفاع بمواعظ الحسن البصري ومجالسه، أنه رحمه الله كان قدوة صالحة، ولم يكن رحمه الله ممن يقولون ما لا يفعلون ، « قيل لعبد الواحد صاحب الحسن البصري: أي شيء بلغ الحسن فيكم إلى ما بلغ؟ وكان فيكم علماء وفقهاء . قال: كان الحسن إذا أمر بشيء كان أعمل الناس به وإذا نهى عن شيء كان أترك الناس له » . (14)
وأمر آخر يسترعي الانتباه في هذه الحادثة ، وهو عناية الحسن بموضوعات الرقائق والزهد والسلوك ، حتى كان للحسن البصري مجلس خاص من مجالسه ، لا يكاد يتكلم فيه إلا عن معاني الزهد والنسك ، فإن سأله إنسان غيرها ، تبرم وقال: « إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر» . (15)
إن غالب مواعظ الحسن ووصاياه كانت في ذم الدنيا ، والنهي عن طول الأمل ، والأمر بتزكية النفوس ، وتصحيح المقاصد والنيات.
وما أحوجنا إلى مثل تلك المواعظ والزواجر من أولئك الأئمة الأعلام وهكذا كان الوعاظ في قديم الزمان »علماء فقهاء« كما قاله ابن الجوزي. (16)
وقال الإمام أحمد بن حنبل: »ما أحوج الناس إلى قاص صدوق«. (17)
ولقد كان الحسن في كثير من الأحيان يزهد في الدنيا ويحذر منها ويرغب في الآخرة ، وهذا مسلك نبوي مأثور ، فقد قال: « إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج لكم من بركات الأرض ، قيل وما بركات الأرض قال زهرة الدنيا..» . (18)
ولذا كان الحسن يقول: « والله ما عجبت من شيء كعجبي من رجل لا يحسب حب الدنيا من الكبائر ، وأيم الله إن حبها لمن أكبر الكبائر ، وهل تشعبت الكبائر إلا من أجلها؟ وهل عُبدت الأصنام، وعُصي الرحمن إلا لحب الدنيا، فالعارف لا يجزع من ذلها ، ولا ينافس بقربها، ولا يأسى لبعدها» . (19)
وصدق الحسن، فغالب الكبائر نابعة من حب الدنيا: فالسرقة، والزنا والحسد، والكذب ، والكبر ، والرياء وغيرها من أجل حب الدنيا ، والتكالب عليها بل إن الله تعالى قد أخبر في كتابه العزيز أن الكفر واستحقاق العذاب بسبب حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فقال تعالى: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراْ فعليهم غضب من الله ولهم عذابِ عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) ) (20)
وهنا ملاحظة أخيرة: أن بعض التائبين يعتزلون الحياة من أجل العبادة وهذا فيه نظر ، إذ لا يصح أن كل تائب لابد أن يكون على ذلك المنوال: منقطعًا وزاهدًا عن الأخذ بأسباب الحياة المباحة ، فتلك رهبانية حُذرنا منها. وصدق الله العظيم القائل: (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) ) (21) .
فإن من مميزات ديننا الحنيف الوسطية: (( وكذلك جعلناكم أمةْ وسطْا ) ) (22) لا رهبانية ولا مادية وإنما يكون المسلم عابدًا لله ، ساع في الأرض عاملًا أي عمل مناسب يكفي نفسه حاجاتها، ولا يكون عالة على غيره ، ولم يعرف الانقطاع للعبادة إلا بعد القرون الفاضلة، يوم جاءت الصوفية وطقوسها المبتدعة ، ومعلوم موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الثلاثة الذين سألوا عن عبادته في الصلاة والصيام والزواج فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فعزموا على خلافها فقال لهم عليه الصلاة والسلام: « أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي ، فليس مني» . (23)
ساق أبو نعيم في »الحلية « بسنده إلى إبراهيم بن سليمان الزيات ، حيث قال: كنا عند سفيان الثوري ، فجاءت امرأة فشكت ابنها وقالت: يا أبا عبد الله أجيؤك به تعظه؟ فقال: نعم جيئي به ، فجاءت به ، فوعظه سفيان بما شاء الله فانصرف الفتى ، فعادت المرأة بعد ما شاء الله ، فقالت: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، وذكرت بعض ما تحب من أمر ابنها، ثم جاءت بعد حين فقالت: يا أبا عبد الله ابني ما ينام الليل ويصوم النهار، ولا يأكل ولا يشرب فقال: ويحك مم ذاك؟ قالت: يطلب الحديث ، فقال: احتسبيه عند الله » . (24)
سفيان الثوري أحد الأئمة الكبار ، وكان أمّارًا بالمعروف لا يخاف في الله لومة لائم ، حتى قال أحدهم: « كنت أخرج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا» . (25)
كما أنه رحمه الله مهتم بأحوال المسلمين، ومن ذلك ما قاله يحيى بن يمان: »تقاوم سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم ليلة حتى الصبح فكانا يتذاكران في أمور المسلمين» .