فهرس الكتاب
المسألة الرابعة: تمسك أصحابنا بقوله تعالى: { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } على أن الضلال والهداية من الله تعالى ، والآية صريحة في هذا المعنى . قال الأصحاب: ومما يؤكد هذا المعنى ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت أصواتهما ، فقال عليه السلام"ما هذا"فقال بعضهم: يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا ، ويقول: عمر كلاهما من الله ، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم عمر ، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر ، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه ، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه ثم قال:"أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل وميكائيل ، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما"قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } والمعنى: أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم ، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم على المقصود والغرض أكمل ، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين ، فأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائمًا لهذا المقصود . والثاني: أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم ، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك ، وما المقصود من إرسالك ، وهل يمكننا أن نزيل كفرًا خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل . الثالث: أنه إذا كان الكفر حاصلًا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، وجب أن يكون الرضا به واجبًا لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، وذلك لا يقوله عاقل . والرابع: أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله: { لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } [ إبراهيم: 1 ] يدل على مذهب العدل ، وأيضًا مؤخرة الآية يدل عليه ، وهو قوله: { وَهُوَ العزيز الحكيم } فكيف يكون حكيمًا من كان خالقًا للكفر والقبائح ومريدًا لها ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله: { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد ، فوجب المصير إلى التأويل ، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } [ البقرة: 26 ] ولا بأس بإعادة بعضها ، فالأول: أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافرًا ضالًا كما يقال: فلان يكفر فلانًا ويضلله ، أي يحكم بكونه كافرًا ضالًا ، والثاني: أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار ، والهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة . والثالث: أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله ، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه . قال صاحب «الكشاف» : المراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف وبالهداية التوفيق واللطف .
والجواب عن قولهم أولًا أن قوله تعالى: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } لا يليق به أن يضلهم .
قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر ، فإن كان الفعل الثاني مشاكلًا للأول نسقته عليه ، وإن لم يكن مشاكلًا له استأنفته ورفعته . ونظيره قوله تعالى: { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ويأبى الله } [ التوبة: 32 ] فقوله: { ويأبى الله } في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ، لأنه لا يحسن أن يقال: يريدون أن يأبى الله ، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف ، ونظيره أيضًا قوله: { لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الأرحام } [ الحج: 5 ] ومن ذلك قولهم: أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه ، ومثله قول الشاعر:
يريد أن يعربه فيعجمه ... إذا عرفت هذا فنقول: ههنا قال تعالى: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } ثم قال: { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ } ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله ، وأقول تقرير هذا الكلام من حيث المعنى ، كأنه تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه ، ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية ، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى . أما قوله ثانيًا: لو كان الضلال حاصلًا بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له: ما الفائدة في بيانك ودعوتك؟ فنقول: يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالًا فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافرًا فإن آمنت صار إلهك كاذبًا فهل أقدر على جعل إلهك كاذبًا ، وهل أقدر على جعل علمه جهلًا . وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضًا وارد عليه . وأما قوله ثالثًا: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبًا ، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .