الصفحة 251 من 3812

قلنا: ويلزمك أيضًا على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي تجهيله ، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا ، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلًا وخبره الصدق كذبًا . وأما قوله رابعًا: إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى: { لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } [ إبراهيم: 1 ] يدل على صحة الاعتزال فنقول: قد ذكرنا أن قوله: { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } يدل على صحة مذهب أهل السنة . وأما قوله خامسًا: أنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيمًا وذلك ينافي كونه تعالى خالقًا للكفر مريدًا له . فنقول: وقد وصف نفسه بكونه عزيزًا والعزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم ، وقد حصل لما بقي عزيزًا غالبًا . فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة ، وأما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مرارًا فلا فائدة في الإعادة . (1)

بين - سبحانه - منه أخرى من مننه على عباده فقال: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . . . } .

قال الإِمام الرازى ما ملخصه:"اعلم أنه - تعالى - لما ذكر في أول السورة { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور . . . } كان هذا إنعاما على الرسول ، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر . . ."

ثم ذكر في هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة والإِحسان في الوجهين:

أما بالنسبة إلى الرسول ، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة . .

وأما بالنسبة لعامة الخلق ، فلأنه - سبحانه - ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسانهم . . ."."

والباء في قوله"بلسان"للملابسة ، والمراد باللسان: اللغة التى يتخاطب بها الرسول مع قومه . .

قال ابن كثير:"هذا من لطفه - تعالى - بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون ، وما أرسلوا به إليهم كما قال الإِمام أحمد ."

حدثنا وكيع ، عن عمر بن أبى ذر قال: قال مجاهد: عن أبى ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لم يبعث الله - عز وجل - نبيا إلا بلغة قومه".

وقال صاحب الكشاف:"فإن قلت: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم ، وإنما بعث إلى الناس جميعا ، وهم على ألسنة مختلفة . فإن لم تكن للعرب حجة ، فلغيرهم الحجة . وإن لم تكن لغيرهم حجة ، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا - قلت: لا يخلو إما أن ينزل لجميع الألسنة أو بواحد منها ، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل ، فبقى أن ينزل بلسان واحد ."

فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه .

فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم ، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد ، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه ، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ، وأسلم من التنازع والاختلاف . . ."وقال الشوكانى: ما ملخصه:"وقد قيل في هذه الآية إشكال ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس جمعيا ، ولغاتهم متباينة . . .

وأجيب: بأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مرسلا إلى الثقلين ، لكن لما كان قومه العرب ، وكانوا أخص به وأقرب إليه ، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم ، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم .

ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم ، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم ، لكان ذلك مظنة للاختلاف ، وفتحا لباب التنازع ، لأن كل أمة قد تدعى من المعانى في لسانها ما لا عرفه غيرها .

وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف ، بسبب الدعاوى الباطلة التى يقع فيها المتعصبون"."

وجملة { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } مستأنفة .

أى: فيضل الله من يشاء إضلاله ، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه .

ويهدى من يشاء هدايته ، لاراد لمشيئته ، ولا معقب لحكمه .

"وهو"سبحانه"العزيز"الذى لا يغلبه غالب"الحكيم"فى كل أفعاله وتصرفاته .

قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: وتفريع قوله"فيضل الله من يشاء . . . إلخ"على مجموع جملة { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } ، ولذلك جاء فعل"يضل"مرفوعا غير منصوب ، إذ ليس عطفا على فعل"ليبين"لأن الإِضلال لا يكون معلولا للتبين ولكنه مفرع على الإِرسال المعلل بالتبيين .

والمعنى: أن الإِرسال بلسان قومه لعلة التبيين . وقد يحصل أثر التبيين بمعرفة الاهتداء ، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم .

وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم ، ووظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما توعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا في كفرهم وغيهم ، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله - تعالى - ولطفه بعباده ، وفضله عليهم . (2)

(1) - تفسير الرازي - (ج 9 / ص 206)

(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2402)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت