فهرس الكتاب
والداعية إلى الله - تعالى - يجب أن يسلك طريق التسديد والمقاربة في تربية نفسه على الأخلاق والعبادات القلبية فقد أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: {سددوا وقاربوا، وأعلموا أنه لن ينجو احد منكم بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل} رواه مسلم. قال ابن القيم الجو زيه:"فجمع هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهى السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال". ويقول في موضع أخر:"والمطلوب من العبد الاستقامة وهى السداد فإن لم يقدر عليها فالمقاربة فإن نزل عنها فالتفريط والإضاعة"يقول الله - تعالى: {قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم واحدٌ فاستقيموا إليه واستغفروه} فصلت 6
وفى قول الله عز وجل: {فاستقيموا إليه واستغفروه} يقول ابن رجب الحنبلي:"إشارة إلى إنه لابد من تقصير في الإستقامه المأمور بها، فيجبر ذلك بالاستغفار المقتضى للتوبة والرجوع إلى الاستقامة فهو كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه: {اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها} "
وفى الختام ما كتبت هذه الكلمات إلا تذكيرا لنفسي المقصرة ونصحا لإخواني الدعاة سائلا الله العظيم أن يجمعنا مع أما م الدعاة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
مطلبان للدعاة
د. سليمان التميمي
يلاقى الدعاة إلى الله صنوف الأذى بدءًا من مضايقتهم، والتجسس عليهم، والتصنّتِ على كل مكالماتهم، ومراقبة أعمالهم، وتتبع حركاتهم، وإحصاء أنفاسهم وأقوالهم، وروحاتهم وغدواتهم، وأصحابهم وجلسائهم، وانتهاءً باعتقالهم وسجنهم، وضربهم أو قتلهم، وأخذهم بصورة لا تليق بكرامة الإنسان.
ويستقبل الدعاة هذا كله برحابة صدرٍ، وصبر واحتمال، وهم يعلمون أنّ العاقبة للمتقين، والبشرى للصابرين، وأَنّ نصر الله - لا ريبَ - آتٍ والعجلة لا تقدّمه، كما أن التريث لا يؤخره، محتسبين ما يجري عليهم من ظلمٍ وإفك، وأذى واضطهادٍ عند الله، ولله.
وهم مع هذا متمسكون بدينهم، لا يتقهقرون عن دعوتهم، ويطلبون أن يخلى بينهم وبين الشعوب الإسلامية لدعوتها وإصلاحها، قيامًا بالواجب الذي افترضه الله على عباده المؤمنين: (ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحًا وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ) (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) وهم في حالهم تلك لا يسألون الناس أجرًا، يفرحون بهداية المهتدين، وعودة التائبين: (وجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ) هذا وصف داع للإجابة، دالٌّ على الصدق: (ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ) ويتحملون ما يأتيهم من الأذى والاضطهاد ممَّن يدعونهم، ولا يؤاخذونهم على ما يصدر منهم من أذى، بل يعرضون عنه كأن لم يسمعوا ولم يروا: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ولَمْ يُرِدْ إلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا) والإعراض- هنا- ليس هو ترك الدعوة، ومقاطعة المعرضين، بل عدم مؤاخذة المدعوين، بما يصدر عنهم من أذىً، مع الاستمرار في الدعوة والبلاغ، والحرص على الخير.
وفيما هم على هذه الحالة، يعترض طريقهم المتنفذون من أصحاب الجاه والدنيا، يقطعون عليهم طريق الدعوة إلى الله، ويحاربونهم من أجلها، لا يطلبون أن يميّزوا بمعاملة خاصة، أو يعطوا شيئًا ليس لهم - وهم أقرب الناس إلى الزهد فيما هو من حقهم، ولهم - بل يطلبون مساواتهم بالمجرمين، من قطاع الطرق، والسراق، وغيرهم - وهو أمر مع ما يحمله من الظلم البين والإجحاف مطلبٌ يمنعه أصحاب السلطان - وذلك بإحالتهم إلى القضاء.
إذ أن هؤلاء إذا قُبض عليهم أحيلوا على الشرع لإقامة حكم الله فيهم، بخلاف الدعاة الذين يحالون إلى الجلادين من الشرط ورجال الأمن والاستخبارات بطريقة لا تمت إلى الإنسانية، فضلًا عن الإسلام بصلة.
أليس هذا الطلب عادلًا، بل متواضعًا، بل ظالمًا، ومع ذلك يرض به من نذروا أنفسهم ومالهم ووقتهم لدعوة الناس إلى الخير.
ويا لها من أمةٍ منكوبة، جعلت دعاة الإسلام يتواضعون إلى هذا الطلب الجائر، على حين أن الواجب أن يجعل الدعاة فوق الهام، وأن يؤخذ برأيهم، وأن يقدموا في كل شيء.
هذه حال الدعاة في الدول التي تدعي الإسلام.
أمّا الدول التي أعلنت براءتها من الإسلام، وانخلعت من ربقته بجعل التحكم إلى الجاهلية، والقوانين الوضعية، والبراءة من الإسلام في دساتيرها، فالأمر فيها أسوأ، فإن مطلب الدعاة فيها أن يعاملوا معاملة إنسانية، تليق ببني آدم، على وفق ما تنادي به دول الكفر التي تدعي الديموقراطية، ورعاية حقوق الإنسان التي من أبسطها في نظرهم حرية التعبير.