الصفحة 2513 من 3812

وللدعاة مطلب آخر من حملة العلم والمؤمنين من عباد الله بأن يؤازروهم ويقفوا معهم، ويشاركوهم في دعوتهم التي كلف بها كل مؤمن، ويدفعوا عنهم كل إفك وزور، وكل شر يتربص بهم، وإن لم يكن هذا فعلى الأقل أن يقفوا موقف مؤمن آل فرعون الذي قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) [1] .

فأين المشايخ وحملة العلم من هذا الموقف؟ ! إن الدعاة يتوقعون من هؤلاء أن يقفوا هذا الموقف على أقل تقدير، إن لم يكن منهم قيادة للدعوة وتصدر وزعامة، ويرجون أن لا يأتي منهم خذلان في وقت الحاجة إليهم.

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره » رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

ألا فليعلم هؤلاء المتنفذون أصحاب الجاه، المتحكمون في شئون أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن للباطل جولة، يعود بعدها الحق إلى الظهور، ثم تكون الغلبة له، وأن هذا الدين ما جعله الله آخر الأديان إلا ليعمَّ الأرض كلها: (هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ) وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال: « ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزٍ عزيز، أو بذلٍ ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر » رواه ابن حبان.

وأن الله قد وعد بإعلائه ونصره على الرغم من كيد الكائدين وعداوة الكفار والمنافقين، وسيكتب الخزي على المنافقين والمرجفين: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ) ألا فليعلم الذين يخادعون الله أن الله خادعهم، وأن الصدق والوضوح خير من النفاق والخداع، وأن الشعوب تعلم حقيقة أمرهم، وأنهم قد فقدوا مصداقيتهم أمام شعوبهم، وقد قال رسول الله - صلى الله علمه وسلم: « إنها ستكون أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليَّ الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض » أخرجه الإمام أحمد عن أربعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم، وهم أبو سعيد الخدري، وكعب بن عجرة، والنعمان بن بشير، وحذيفة بن اليمان.

ولا أظنُّ عصرًا تجلى فيه الكذب مثلما تجلى في هذا العصر، بوسائل إعلامه من إذاعة وتلفاز وصحف، وغيرها.

حتى صار في مقدور هذه الوسائل أن تحول الظلم إلى عدل، والنهب إلى رجولة وذكاء، والباطل إلى حق، والكذب إلى صدق، والخيانة إلى أمانة، ولكن هذا كله يبق محصورًا في فئة من الناس وفي مكان محدود، وفي زمان معين ثم تنكشف الحقائق ولو بعد حين، فيعود كل شيء إلى أصله ووضعه الطبيعي، ويتصور هؤلاء أن حقيقتهم لن تكشف، وبواطنهم لن تظهر، وسرائرهم لن تعلن وقد أخطأوا في هذا الظن وسيقال لهم: (وذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الخَاسِرِينَ) [2] .

ألا فليعلم هؤلاء المخذلون ممن نسبوا إلى العلم الشرعيّ، وحسبوا عليه أن ما هم فيه محض ابتلاء والله ناصر دينه بهم أو بغيرهم: (وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [3] .

أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال: هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس » قال ابن كثير: تفرد به مسلم بن خالد الزنجي ورواه عنه غير واحد وقد تكلم فيه بعض الأئمة والله أعلم به.

ألا فليعلم، ثم ليعلم هؤلاء أن الدين دين الله، وأنه لابد غالب والعاقبة للمتقين، وأن الله هو الذي يختار له أنصاره والمؤمنين به: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ) [4] .

وأن العاقبة تكون لهم ولمن ناصرهم في الدنيا، ويوم لا تنفع نصرة ولا شفاعة: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [5] .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غافر 28-29.

(2) فصلت 23.

(3) محمد 38.

(4) فصلت 23.

(5) محمد 38.

ثغرات خفية

مهدي بن نزال المهدي

أخي الداعية المربي إننا بحاجة ماسة إلى من يخرج بجهوده جيل فريد من نوعه ليسير على درب الهدى وينفع أجيالًا أُخر.

لكن ما هي الثغرات التي تقف أمام الجيل الجديد لكي ينحرف عن درب الهدى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت