الصفحة 2527 من 3812

• يا من تسعى لإصلاح الفرد وبناء المجتمع، لا تنس أن مُهمتك تتمثل في الدعوة إلى الله - تعالى -بالحكمة والموعظة الحسنة التي تفرض عليك تعليم الناس ما يجهلون، وتذكيرهم بما ينسون، وتنبيههم إلى ما يغفلون عنه؛ فكان عليك تُخاطبهم بما يوافق حالهم إذ إن لكل مقامٍ مقال، ولكل مُناسبةٍ ما يُلائمها من الخطاب الذي يجب أن يُراعى فيه مستوى المستمعين؛ فلا يُخاطبون بما لا يفهمون، ولا يُطرح عليهم ما لا يستوعبون، فما خوطب أُناسٌ بما لا يفهمون إلا كان فتنةً عليهم، مصداقًا لما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما أنت بمُحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُهُ عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنةً" (رواه مسلم، الحديث رقم 14، ص 9) . فاحرص (سدّد الله قولك وعملك) على اختيار موضوعات خطبك بعنايةٍ فائقةٍ، وعليك أن تتلمَّس حاجات المستمعين الذين جاءوا لاستماع خطبتك، ولا تنس أن حُسن القول مطلوبٌ منك في الظروف والأحوال كلها، لاسيما وأنك ممن يدعو إلى الله - تعالى -بالحسنى وليس هناك أحدٌ أحسن قولًا ممن حمل راية الدعوة إلى الله - تعالى -، وإلى إتباع منهجه القويم، والالتزام بأحكام وتعاليم الدين الحنيف. قال - تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (سورة فصلت: الآية 33) . وأعلم أن اختيار موضوع الخطبة من واقع حياة الناس أمرٌ إيجابيٌ وفاعل، وأن مناقشة المشكلات الاجتماعية ومحاولة طرح الحلول المناسبة لها واجبٌ يفرضه عليك تحملك لهذه المسؤولية.

• يا من تُشنفُ الآذان بقولك الجميل المُدعّم بالآيات البينات، والأحاديث النبوية المختارة، والأقوال المأثورة عن السلف الصالح، احرص على ما يُعرف ببراعة الاستهلال في خُطبك، واجتهد في فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، وعليك بمراعاة مهارات حسن الإلقاء من تنويعٍ للأسلوب، وضربٍ للأمثال، وجودة الاقتباس، ودقة الاستشهاد، وحُسن العرض؛ فإن ذلك مما يُساعد على نجاح الخطيب في أداء رسالته الدعوية والتوعوية على الوجه الصحيح الذي يؤثر في المستمعين، ويأسر أفئدتهم، ويجذبهم إلى ما يقوله ويطرحه من موضوعات.

• يا من ينظر إليك الناس قدوةً ومثلًا، إياك (سدّد الله خُطاك) من بعض الصفات التي لا تليق بالخطيب المسلم كأن تُطيل في إلقاء خطبتك، أو أن تُكرر موضوعها حتى تُمل، أو أن ترفع صوتك أو تخفضه عن الحد المطلوب لإسماع الحاضرين، أو أن تُكثر من الحركات والإشارات. واحذر (كفانا الله وإياك) من الكبر، والغرور، والإعجاب بالنفس، وتصيد أخطاء الآخرين، ونحو ذلك من الصفات التي قد تُحبط الأجر وتضيع الثواب والعياذ بالله. وإياك من التقعر في الكلام، أو التكلف في الخطاب، أو أن يراك الناس في مواقع الشُبه والريبة؛ فإن ذلك مما يُفقد الخطيب مصداقيته واحترامه عند الآخرين.

• يا من تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، اجتهد (وفقك الله - تعالى -) أن يأتي حديثك في كل خطبةٍ مناسبًا لظروف الزمان والمكان فمعايشة الواقع أجدى وأنفع وأكثر قبولًا عند المستمعين. وليكن موضوع الخطبة عن القضايا الكلية دون التعمق في الجزئيات التي قد لا تؤدي إلى كثير نفعٍ وفائدةٍ للمستمعين. واعلم أن من الجميل جدًا أن يُخفف الخطيب زمن الخطبة، وألاّ يُطيل فيها أبدًا حتى لا يمل الناس أو ينفرون، ولأن ذلك مخالفٌ لهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يكن يُطيل الخطبة وهو أبلغ الناس، فقد روي عن عمارٍ - رضي الله عنه - أنه قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنّ طول صلاة الرجل، وقصَرَ خطبته مئنّّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصُرُوا الخُطبة، وإنّ من البيان سحرًا" (رواه مسلم، الحديث رقم 2009، ص 349) . وما روي عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال:"أمرنا رسول الله بإقصار الخُطب" (رواه أبو داود، الحديث رقم 1106، ص 173) . وعن جابر بن سمُرة قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُطيل الموعظة يوم الجمعة؛ إنما هُنَّ كلماتٌ يسيراتٌ" (رواه أبو داود، الحديث رقم 1107، ص 173) . فعليك (وفقنا الله وإياك) بالحرص على إتباع الهدي النبوي، وعدم الإطالة في الخُطبة فخير الكلام ما قل ودل.

• وختامًا / أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يوفقنا جميعًا لصالح القول، وجميل العمل، وأن يُجنبنا الخطأ والزلل، والحمد لله رب العالمين.

من هموم الدعوة

عبد الملك القاسم

امرأة تخرج ابنها الشاب وعٌين مدرسًا في قرية يخيم عليها الجهل ومع هذا بكت وبكت، وسارع الأب ملهوفًا حزينًا لمن عرف ومن لم يعرف حتى يعود الابن لأحضان أمه ويترك أمر تعليم الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور!

لأمهات الرجال ومنجبات الأبطال..كففي دمعك وتأملي في حال أمهات من حملوا راية هذا الدين وسقوا الأرض بدمائهم لا بدموعهم!

أخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: أن امرأة، دفعت إلى ابنها يوم أحد السيف، فلم يطق حمله، فشدته على ساعده بنسعة، ثم أتت به النبي ، فقالت: يا رسول الله: هذا ابني يقاتل عنك.

فقال النبي: (( أي بني! احمل هاهنا، احمل هاهنا ) ).

فأصابته جراحة، فصرع، فأتي به النبي ، فقال (( أي بنٌي لعلك جزعت! ) )

قال: لا، يا رسول الله.

والمشهد الثاني لشباب الأمة وفتيانها.. يرويه سمرة بن جندب حيث يقول: (( كان رسول الله يعرض غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم.

فعرضت عامًا. فألحق غلامًا وردني، فقلت يا رسول الله: لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت