فهرس الكتاب
وأنهم يستحقون ذلك لفضلهِم وتميزهِم عند الناس.. فتجرأَ المغفلون. تجرءوا على انتهاكِ محارمِ الله.. وتجاوزِ حدودهِ - سبحانه -.. مغترينَ بإمهالِ اللهِ لهم. وصبرِه على انحرافهِم وظلمهِم وبغيهِم.. فبدلًا من أنْ يشكروا ربهم.. ويعترفوا بإحسانِه إليهِم وتفضلِه عليهِم.. ويلتزموا حدودَه، ويعرفوا حقوقَه. إذا بهم يتنكرون للمنعِم العظيم.. ويتجرءون في سفهٍ وغرور.. على العزيزِ الحكيم، الذي يقول: (( يا عبادِ فاتقون ) ). ويقول: (( وإياي فارهبون ) ).
فماذا كانتْ النتيجة.. وما هي النهايةُ والعاقبة، بعد ذلك الإمهالِ والصبرِ الجميل؟! إنَّ القرآنَ الكريم.. يختصرُ العقوبةَ المدمرة والنهايةَ الموجعة.. في كلمتين اثنتين.. (( أَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ).
إذًا فرغدُ العيش.. وسعةُ الرزق.. يتحولُ في طرفةِ عين.. ولمحةِ بصر. جوعًا يَذهبُ بالعقول.. وتتصدعُ له القلوبُ والأكباد.. وإذا البطونُ الملأ.. والأمعاءُ المتخمة.. يتضورُ أصحابُها جوعا.. ويصطلون حسرةً وحرمانا.. وإذا الأمنُ الذي.. كانوا يفاخرون به الدنيا.. وينسونَ في عجبٍ وغرور.. المتفضلَ به - سبحانه -.. والمنعمَ به جل جلاله.. إذا به ينقلبُ رعبًا وهلعا.. لا يأمن المرءُ على نفسِه وعرضِه فضلًا عن مالهِ وملكه.. فانتشر المجرمون والقتلة.. يسفكونَ دماءَ الناس.. وينتهكونَ أعراضَهم.. ويحوزونَ أموالهَم وحواصلَهم.. وأصبح باطنُ الأرض، خيرًا من ظاهِرها، في تلك القريةِ البائسةِ المشؤومة.
والقرآنُ الكريم، حين يعرضُ بوضوحٍ وجلاء.. مآلَ تلكَ القريةِ.. الظالمِ أهلُها.. ويقررُ أنَّ ما أصابهَم.. هو بسببِ ما اقترفتُه أيديهِم.. من التمردِ والجحود.. ونكران الجميل.. حين يعرضُ القرآنُ ذلكَ كلَّه.. فهو إنما يخاطبُنا نحن الحاضرين.. ويخاطبُ غيَرنا.. حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها.. يحذرُنا أن نقعَ في ذاتِ الخطأ.. الذي وقعوا فيه.. فنؤولُ لذاتِ المآلِ الذى آلوا إليه.
إن ما يفعله كثير من الناس في هذه الأزمنة من احتفالات ومظاهر في أيام الأعياد إضافة إلى أنها معصية ومخالفة لما يجب أن يكون عليه العبد بعد رمضان من دعاء الله - تعالى -أن يقبل منه عمله ويشكر سعيه.. إنما هي مشابهة تامة لما يفعله الكفار في أعيادهم الباطلة.. ومما يزيد الأمر سوءا والبلاء بلاءًا أن في هذه السنة ستوافق أعياد الكفار أعيادنا.. فهنا تحصل المشابهة الكبرى والمصيبة العظمى.. ولعلي أعرض لكم ما يفعله النصارى في أعيادهم حتى تدركوا حجم التشابه الحاصل والذي يجب علينا جميعا إدراكه ومن ثم الحذر منه لئلا نقع في المحذور.. وسيكون محور حديثنا حول ما يسمى بعيد ميلاد المسيح (- عليه السلام -) ، وعيد رأس السنة الميلادية كأكبر مناسبة في الغرب النصراني.
فالاحتفالات بهذا العيد تقام في يوم وليلة الخامس والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) في المجتمعات النصرانية الغربية.. حيث تغلق جميع الدوائر الرسمية وغير الرسمية أبوابها، وكذلك المستشفيات والمحلات التجارية وتتوقف كثير من وسائل المواصلات كالحافلات والقطارات عن العمل. وفي العموم فإن حركة الحياة تتوقف في ذلك اليوم كما لو كان الناس قد نزلوا إلى ملاجئهم إثر غارة جوية معادية!
لكن لعل المقيم في تلك البلاد أو الزائر في ذلك اليوم والليلة يرى أن نوعين من المحلات لا تغلق أبوابها، بل يزدهر سوقها ويكثر روادها، وهما: حانات الخمور والبارات التي يشرب فيها الخمر والمسكرات؛ حيث يفرط الناس بشربها إلى حد فقدان العقل وفقدان السيطرة على السلوك.. وإذا كان كثير من الناس في ليلة عيد الميلاد ويومه يمكثون في بيوتهم أو في خماراتهم يعربدون إلا أنهم وفي ليلة رأس السنة الجديدة يخرجون إلى الاحتفالات بسكرهم وعربدتهم، فقد أعلنت الشرطة البريطانية أنه قد تم إلقاء القبض على ما يزيد على مائة وخمسين شخصًا في منطقة ميدان"الطرف الأغرّ"بوسط لندن والتي تتركز فيها عادة الاحتفالات بحلول العام الجديد.
وكانت معظم الحوادث التي وقعت قد جاءت نتيجة للسكر والإخلال بالنظام العام والتعدي على الناس.. وقد عالجت سيارات الإسعاف مائة وخمسةً وتسعين شخصًا من بين المحتفلين بالمناسبة بسبب إصابتهم بجروح نتيجة تهشم زجاجات الشراب! وقد نُقل نحو خمسين آخرين إلى المستشفيات للعلاج، وقد قُدر عدد رجال الشرطة الذين أصيبوا في هذه الحوادث بنحو أربعين رجلًا [1]
وها هنا نوع آخر مما ابتُلي به أهل هذه الحضارة: ففي روما أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية عن الحصيلة النهائية لضحايا استخدام المفرقعات والألعاب النارية الملونة في احتفالات رأس السنة الجديدة، وقالت مصادر الوزارة: إن مواطنًا كهلًا قُتل في مدينة نوشيرا في الجنوب الإيطالي بفعل دخان مفرقعة، وجرح ستمائة شخص آخرون في روما ونابولي وغيرهما من المدن الإيطالية، ومعظم المصابين يعانون من حروق في اليدين والوجه بسبب انفجار المفرقعات بأيديهم، أو بسبب عدم احترام الشروط القانونية أثناء تصنيع هذه المفرقعات.. وتعتقد أوساط الداخلية أن عدد الجرحى أكبر من الرقم المعلن؛ لأن العديد ممن أصيبوا بجروح لم يلجأوا إلى المستشفيات العامة وفضَّلوا الصمت.