الصفحة 2574 من 3812

بيد أن السكرة امتدت، وليس في الظن أنها نتيجة مرض نفسي أو ترديات إيمانية فقط، وإنما اختلطت بها عيون حسد نافذة، أرسلتها حدقات شركات نفط [تكساس] فأصابت بالشر جمال [بغداد] فتركت في خدها الأسيل لفحة، وفي قلبها لوعات وصلتها وربطتها بعيون حسد أيام فتنة الأمين والمأمون، حسدت البناء الحضاري الذي بناه الرشيد والازدهار الاجتماعي، حتى تأوه شاعرها فانطلق يبث أشجانه..

من ذا أصابك يا بغداد بالعين *** ألم تكوني زمانًا قرة العين

ألم يكن فيك قومٌ كان مسكنهم *** وكان قربهم زينًا من الزين

ليكن حديثنا حديث استنفار لكل رجل فيه خير من رجال العراق، ولكل عقيلة عراقية تشمخ بعفافها، أن يلحظ الجميع الحاجة إلى إصلاح شامل للعراق، عبر صحوة إسلامية واعية، خروجًا من البطالة والتسيب وحالة السلب، واتعاظًا بقول التابعي 'وهب بن منبه': [لا يكون البطال من الحكماء أبدًا] ، فإننا جميعًا نبتغي خطة تكفل بالترميم والتنمية واستئناف السلوك الحضاري، وعلى العراقي أن يأتي هذا العمل ويقترف هذا الإصلاح ليس بنوايا الدنيا والإدارة والمصلحة فقط، بل بالنوايا التعبدية أيضًا.

فالممارسة الدعوية والاستدراك على الهدم بابان من العمل الديني الذي يقربنا من الجنة ويبعدنا من النار، وفوق الكريم الذي يوزع دنانيره: كريم يثأر لحقوق الله فيفاتح قريبه وصديقه وجيرانه على الانضمام لعصابة الدعوة الإسلامية الحامية المستدركة الحافظة لحقوق المعبود ومصالح العباد.

نعم هي مهمة كبيرة، وضريبتها أكبر، لكنها واجبة على مذهب 'عمر بن عبد العزيز': [إنَّ الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمر تركوه: ما قام لهم دين ولا دنيا] .

فنحن الدعاة إنما خلقنا ربنا لنقوم بالأمور الكبيرة نيابة عن الأمة، ولسنا نطلب الأسهل ونفاخر به وندع الأصعب؛ فإن ذلك من ضعف التدين، ويؤدي إلى ضمور دنيانا وخسارة الجولة مع المنافسين، بل نحن للأثقال، والخطط الطموحة، والأهداف العظيمة، وعلى كواهلنا يكون التنفيذ المرهق لأجسادنا، المفرح لقلوبنا، الجالب للعراق حلول مشاكله والمنجي له من دائرة السوء.

وهذا منهج راشد ونداء فصيح وتعاهد جميل، لكن له شرط واحد ـ هو أهم شروطه ـ تجمله قصة حاشية الإمرة وطبائع المترفين، وخلاصته أن النفرة المباركة هذه إنما تصح من متجرد وجادٍ وذي حيوية ومخشوشن وزاهد ومتواضع، ولا تصح من متبطر ومتشبه بالكرام ومعطٍ للنفرة فضول أوقاته، ففي مواعظ التاريخ[كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه، والحديث والفقه، فنال جانبًا جيدًا وطرفًا صالحًا، وقد قيل له يومًا: يا أمير المؤمنين: هل بقي شيء من اللذات لم تنله؟ قال: شيء واحد. قالوا: وما هو؟ قال: قول المحدث للشيخ: من ذكرت رحمك الله؟

فاجتمع وزراؤه وكتابه وجلسوا حوله وقالوا: ليُِِِمل علينا أمير المؤمنين شيئًا من الحديث!

فقال: لستم بهم، إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، رواد الآفاق، وقطاع المسافات. تارة بالعراق، وتارة بالحجاز، وتارة بالشام، وتارة باليمن، فهؤلاء نقلة الحديث].

فالقضية العراقية إنما تحتاج هذا النمط من الرجال وقطاع المسافات في طلب العلم الشرعي والتراث التجريبي والحكمة التخطيطية، الذين تعمقت شقوق أرجلهم، لكن توسعت صلتهم بدعوة عالمية المدى فيها أنصار بالحجاز واليمن والجزائر والشام يهبون الإسناد ويجهرون بحق العراق، وبدعاء صالح من قلب خالص في أعقاب الركيعات.

وإنما يقود هذا العمل الاستدراكي: الفكر الصافي، المنتقى من دين الإسلام القيم، مما لم يكتشفه أئمة الفقه فقط، بل عرفه شاعر الدعابة 'أبو نواس' أيضًا فقال: [ما في الدين أغلوطة] بل كله حقائق محكمات، وإنما الأغاليط والفوضى والنزهات لدى أحزاب تحيد عن الدين وتختار العلمانية.

فإذا استوى رهط الدعاة على النقاء: رُجي أن تزيدهم الشورى خيرًا وحزمًا، على طريقة الشاعر الواعي:

إذا بلغ الرأي والتشاور فاستعن *** بحزم نصيح أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة *** فريش الخوافي قوة للقوادم

وما خير كفٍّ أمسك الغلُّ أختها*** وما خير سيف لم يؤيد بقائم

فاللغط السياسي المعاصر يزعم أن شباب الصحوة الإسلامية ليس لديهم وعي مخضرمي الساسة ولا مجال لمساواتهم معهم في حق القول السياسي، وما ثم غير ألاعيب وتنازلات بمستعمر وخطة تطبيع مع يهود، والحق الذي معنا أكبر من كل مخضرم.

وأوامر المحتلين تأمرنا أن نسكت، فمن يتكلم بحجة الشرع إذا سكت الدعاة؟!!.

ويزعمون أننا لا ننطلق بحق وبيان، وأصول حقوقنا مجموعة في [لا إله إلا الله] ، وفيها كل الفقه والاستنباط والتفريغ والإسقاطات على الواقع المعاصر، وهي براءة جامعة من العلمانية، ونقض لها ولمناهج السياسة الظنية، وإبرام جامع لكل حكم الشرع الشامل لنواحي الحياة بنصوص ربانية قطعية.

وتهمة الظلم توجه للدعوة، ولسنا على ظن طاغية ومستعمر ومستبد ومستأثر خرجنا من مساجدنا لنعلن قيام [الحزب الإسلامي العراقي] .

ثم في المشهد الأخير يفتي [متأمرك] بأن الديمقراطية لا تسع دعوة الإسلام لأنها تفسد على الناس أمرهم، ولو شاء أن يقول الحق لأفصح أنه يخاف عفاف دعاة الإسلام، وأنه يحذر ولعهم بكشف الناهبين، وأمثاله يعلمون أن الدعوة الإسلامية تنوي الحجر على كل سياسي يجعل له في أموال الأمة نصيبًا يحوله إلى جيوبه، وموقفها في ذلك مستنبط من قول 'عبد الله بن عبد العزيز العمري' للخليفة 'الرشيد'يا هارون: إن الرجل ليُسرف في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين كلهم].

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت