الصفحة 2573 من 3812

ولكن إذا لم نستطع أن نكون آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فلنكف ألسنتنا عن هؤلاء الرجال الذين نذروا أنفسهم وأمضوا أعمارهم وأفنوا حياتهم ليحموا أعراض المسلمين ويصونوا أمن بلادهم، فكم من عمليةٍ لترويج المخدرات أحبطتها الهيئة بفضل الله - تعالى -؟ وكم من مًعَاصِرَ للخمور داهمتها وصادرتها الهيئة وأتلفتها؟ وكم من عِرضٍ شريف أراد بعض الأراذل أن يُدنسه وأنقذه الله في آخر اللحظات على يد الهيئة؟ وكم من شابٍ متخلف عن الصلاة متسكع في الشوارع أصبح مواظبًا على الصلوات في الصف الأول بفضل الله - تعالى -ثم بنصح وتوجيه وإرشاد الهيئة؟ كم وكم فعلت الهيئة من الخير وفعلت وما زالت تفعل وستفعل بإذن الله - تعالى -، وأعمال هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضائلها أعظم من أن تُحصر وتُذكر في هذه المقالة المختصرة، ومهما قلت أو قال غيري فلن نستطيع أن نوفيها حقها ولكن أجرهم عند الله وعلى الله (( فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ) ) [111 التوبة] ، وبعد هذا يقولون الهيئة فعلت وفعلت، ألا فلنتقي الله يا عباد الله ولنعلم أننا غدًا بين يديه موقوفون وعن أعمالنا مسؤولون ومحاسبون ومجزيون (( وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) ) [227الشعراء] ، ولنعلم أننا لن نضر الله شيئًا إنما إن أحسنا أحسنا لأنفسنا وإن أسأنا أسأنا لأنفسنا والله تعال غنيٌ عنا، ومعلوم ما تحظى به هذه البلاد المباركة من رعاية ولاة أمرها ـ حفظهم الله ـ لهذا الجهاز المبارك (جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فقد جعلوه ـ ثبت الله أجرهم وأذاقهم بركته في الدنيا والآخرة ـ نظامًا وجهازًا من أجهزة الدولة الرسمية وجعلوه ركنًا قويًا شديدًا من أهم أركان الدولة، وأنعم بها والله من دولة، وإن مما يجدر بالمؤمن أن يرفع به رأسه في هذه البلاد الطاهرة هو تحكيم شريعة الله وإقامة التوحيد والسنة ووجود مثل هذه الأجهزة المباركة والتي لا وجود ولا مثيل لها في الدنيا كلها، تميّزنا بها على دول الغرب والشرق والعرب والعجم، فميزة هذه البلاد حراسة العقيدة والثوابت، والفضيلة وحراسة الأعراض وحراسة المبادئ السمحة وحراسة القيم ومكارم الأخلاق ومحاربة الرذيلة وأهلها، هذه البلاد تحرص أن تحمي شعبها وأبناءها من كل سوء، فأنعم بها من دولة وشعب تفردوا بهذا الفضل، واجتمعت قلوبهم عليه. وصدق الله - تعالى -إذ يقول: (( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمّا يَجْمَعُونَ ) ) [58 يونس] . وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأْرِزُ بين المسجدين كما تأْرِزُ الحية إلى جحرها) رواه مسلم.

وفي الختام أرى أنه من الواجب توجيه رسالة إلى رجال الهيئات بأن يكون كل واحد منهم على مستوى المسئولية فلا يؤتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبله وذلك بالأخذ على أيدي بعض المتعجلين لمنسوبي الهيئة الذين يسيئون إلى سمعة جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تصرفاتهم الفردية المخالفة لما تقتضيه المصلحة الشرعية والفقه بالأوضاع الراهنة ومقتضى الظروف التي نمر بها حاليًا بالإضافة إلى الهجمة الشرسة من أعداء الإسلام الذين يحاولون تشويه صورة الإسلام بذريعة أخطاء بعض أفراد المجتمع الإسلامي وهذا الواقع يحتم الحيطة واليقظة أكثر من أي وقت مضى حتى لا تُتخذ بعض التصرفات الفردية الخاطئة ذريعة للنيل من الإسلام وأهله خاصة الدعاة إلى الله ورجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ زادهم الله خيرًا وكف الله عنهم بأس المغرضين ـ. ولا أجد شيئًا أحسن في معالجة الأخطاء الفردية التي تقع من بعض منسوبي الهيئة من الاحتساب عليهم والأخذ على أيديهم وذلك بتعليم من يحتاج التعليم منهم فلا أحد يستغني عن العلم إذ كلنا بحاجة للتعلم (( وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم ) ) [76 يوسف] ، حتى لا تغرق سفينة النجاة.

والله أسأل أن يسدد ويعين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ويوفقهم، وأن يؤيد دولة الإسلام القائمة بهذه الشعيرة وأن يجعلها ممن تحقق فيها قوله - تعالى: (( الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ ) ) [41 الحج] وأن يكفيها كيد الكائدين وحسد الحاسدين وأن يديمها رائدة وقدوة للمسلمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

صحوة بغداد

أوعى العراقيين اليوم: عراقي مؤمنٌ يسجد لله، يفزع إلى موازين الفقه يسألها ويستشيرها، فهو من نور الشرع يقبس، وبمشاعر القلب يستهدي، فيستوي مدركًا للعلل والحلول، ويقف في قومه يردد قول الإمام 'الأوزاعي': [لا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، ولعبت به الأماني] ، وهي موعظة قديمة ولكن كأنها صيغت لوصف أبناء الجيل العراقي الحاضر الذين طالما خدعتهم آمال عريضة مناهم بها حاكم ماكر ومعارض التفافيّ النزعة، وبين إغراءيهما لعبت الأماني بعقل وقلب العراقي، وما يكاد يفيق من أوهامه، يفهم أن فسحة الأجل إنما هي مدة لازمة لنمو بذرات زرعه، وما ثم غير أيام تقربه من النتيجة الخاسرة والحقيقة الدامغة، ولو شاء قلب ينبض أن يؤوب إلى قواعد الدين لتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت