فهرس الكتاب
ولا أصعب شيء على نفوس المخالفين للفضيلة والعاكفين على غير ما يُحمد العكوف عليه، ليس أشد على نفوسهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ أنهم يجدون أنفسهم في حرج من هذه الشعيرة وبين مفترق طريقين، إما أن يأخذوا بأيديهم ويُلزموا أنفسهم بالانقياد إلى الحق وتبنيه والدعوة إليه، فلما وجدوا هذا صعبًا على نفوسهم لم يجدوا بُدًا من الطريق الآخر وهو: محاربة القائمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورميهم بأبشع وأشنع ما يستطيعون، ولك أن تتساءل: أين العاقل الذي يسعى لإنقاذ نفسه من الهلاك في الدنيا والآخرة؟ أين هو عندما يقف أمام أمر الله - تعالى -يُحارب أوامر الله - تعالى- ليل نهار ويعادي شرعه وأولياءه ؟ لم يكتف هذا العاصي بارتكابه واقترافه للذنوب أو أن يكون تقصيره عن الواجبات واقترافه للسيئات على نفسه. بل وقف بالمرصاد لعباد الله المؤمنين القائمين بأمر الله يلمزهم في المجالس وينبزهم ويقذفهم بقلمه، ولنأت على مثالٍ في كتاب الله - عز وجل: إذا كان الذي يُرابي وضرره غير متعدٍ على المجتمع كله، بل ضرره محصورٌ بينه وبين الآخر الذي يُقرضه قرضًا ربويًا، قال الله - تعالى: (( يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ * فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ... ) ) [البقرة: 278ـ279] ، وهذه الجريمة (الربا) كبيرة من كبائر الذنوب ومعصية ثنائية بينه وبين آخر، إذا لم ينته عنها فإن الله توعّده بحربٍ منه - عز وجل - إذًا فما بال من يُحارب القائمين بأمر الله ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ صباح مساء، وديدنه الطعن فيهم، والنيل منهم في كل وادٍ وفي كل نادي. لا شك أن هذا مسكينٌ ومُعرضٌ ـ والعياذ بالله ـ للعقوبة في الدنيا والآخرة. وما حال هذا المريض وهيئة الأمر بالمعروف إلا كما قال الشاعر:
كناطح صخرةٍ يومًا ليوهنها * * * فلم يَضُرها وأوهى قرنه الوعلُ
فبالله عليكم قولوا لي: كيف يُجرم المجرم ويأخذ راحته في الجريمة لاسيما إن جاهر بها إذا كان هناك من يقوم عليه ويردعه من المؤمنين كأمثال رجال الحسبة؟ كيف يعتدي المُعتدي على حُرمات المؤمنين الآمنين ويتتبع عوراتهم في الطرقات إذا كان هناك ثُلّةٌ من المؤمنين تحول بينه وبين رغباته المنحرفة؟ لا شك أن هذا يؤذي أعداء الفضيلة، ويقولون بعد ذلك الهيئة فعلت وأخطأت وفعلت وفعلت ـ سبحان الله ـ وكأن الهيئة كلها شرٌ محض؟ أليسوا هم بشرٌ يصيبون ويخطئون؟ لا ندعي العصمة والكمال لهم كما لا ندعي العصمة والكمال لغيرهم من باقي الأجهزة في أي قطرٍ من هذا العالم، تجد في كل مكان أخطاء فردية، فكلٌّ إنسانٍ منا معرضٌ للخطأ وكلُّ إنسانٍ منا مُعرضٌ للتقصير أو الزيادة أو النقصان، ولاسيما إذا كان هناك احتكاك مباشر بالجمهور، ولكن الأمر كما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة * * * كما أن عين السُخط تبدي المساويا
ألم يخطئ أحد من العالمين إلا الهيئة ورجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟؟؟!
ولا أقول إن رجال الهيئات فوق النقد، والإصلاح، والتقويم، ولكن معلومٌ لكافة العقلاء الفرق بين النقد الذي يكون منطلقه الإصلاح بالصدق في القول، والقصد، وسلامة الوسيلة، وبين النقد الذي يكون هدفه الهدم عن طريق الكذب، والتلبيس، وسوء الوسيلة. فأي أحد يرضى نقدًا مبنيًا على الكذب وتقليب الحقائق؟؟؟. وأما النقد الهادف البناء بالضوابط الشرعية فهذا من أساس معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذ لا قداسة ولا فوقية لأحد كائنًا من كان من نقد الآخرين والأمر والنهي إلا من عصمهم الله من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام .