فهرس الكتاب
ومما يعين الداعية في السير إلى الأمام: التأمل في سير العظماء الرجال من علماء ومجاهدين ومن كرماء وأبطال الصابرين، وما لاقوه من صنوف البلاء وألوان الشدائد، وبخاصة أصحاب الدعوات وحملة الرسالات من أنبياء الله ورسله المصطفين الأخيار، الذين جعل الله من حياتهم وجهادهم دروسًا بليغة لمن بعدهم ليتخذوا منها أسوة، ويتعزوا بها عما يصيبهم من متاعب الحياة وأذى الناس، يقول الله تعالى:"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ" (الاحقاف: من الآية35) ، وأمتنا الإسلامية على مر عصورها لم تخل من نماذج عظيمة وقمم سامقة، سواء في ميادين العلم والعبادة أو ميادين الجهاد والدعوة أو ميادين العطاء والتضحية وسجل لهم التاريخ مواقفهم الثابتة كي يقتدى بهم.
9.مصاحبة الأخيار وأهل الهمم العالية:
فهذا الأمر من أعظم ما يبعث الهمم ويربي الأخلاق الرفيعة في النفس، فالإنسان مولع بمحاكاة من حوله شديد التأثر بمن يصاحبه.
والصداقة الشريفة تشبه سائر الفضائل من رسوخها في النفس وإيتائها ثمرًا طيبًا في كل حين، فهي توجد من الجبان شجاعًا، والبخيل سخاء، فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر ليحمي صديقه من نكبة عندما تشتد المحن وتتفاقم الفتن، وتقبل الشدائد كأمواج البحر وتأخذ بخناق المؤمنين وتزيغ الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر ويظن الناس بالله الظنون، ويبتلى المؤمنون ويزلزلوا زلزالًا شديدًا، فإذا كان الأمر كذلك فما أجدر الداعية أن يبحث عن إخوان ثقات وأبطال حتى يعينوه في هذه اللحظات الحاسمة في حياته (3) .
قال ابن حزم - رحمه الله: من طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشيرة والصبر والوفاء والأمانة والحلم وصفاء الضمائر وصحة المودة (4) .
10.الجرأة في قول الحق:
الجرأة في الحق قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن الداعية من الإيمان بالله الواحد الأحد الذي يعتقده، ومن الحق الذي يعتنقه، ومن الخلود السرمدي الذي يوقن به، ومن القدر الذي يستسلم إليه، ومن المسؤولية التي يستشعر بها، ومن التربية الإسلامية التي نشأ عليها.
وعلى قدر النصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يُخذل، وبالقدر الذي لا يتحول، وبالمسؤولية التي لا تكل، وبالتربية التكوينية التي لا تمل بقدر هذا كله يكون نصيبه من الجرأة والشجاعة وإعلان كلمة الحق التي لا تخشى في الله لومة لائم (5) .
وهذا هو وصف الصفوة المختارة لحمل الرسالة والدعوة في كل عصر يفلت فيه الناس من المسؤولية ويتخلون عن التبعية، يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (المائدة: 54)
(1) الصبر في القرآن الكريم للدكتور يوسف القرضاوي ص 9596.
(2) الصبر في القرآن الكريم ص 9798.
(3) الهمة العالية ص 27.
(4) الأخلاق والسير لابن حزم ص 2425.
(5) صفات الداعية النفسية لعبد الله علوان ص 23.
الكلمة
د. عبد الحكيم أبو زيان
الكلمة هي ثقيلةٌ في ميزان العقلاء، بل هي أفضل الجهاد، وأعلى شعب الإيمان، الكلمة يهوي بها المرء في النَّار سبعين خريفًا، ويخرج بها من دائرة الإيمان، الكلمة تبلغ ما لا يبلغه الجيش، الكلمة توقد جذوة الحرب، كما تطفئ لهيب الجمر
فإنَّ النَّار بالعودين تُذكى وإنَّ الحرب أولها الكلامُ
ولذا كان من وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد أصحابه لما سأله عن النجاة: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) ( رواه الترمذي برقم 2406، وقال الألباني صحيح) ، والكلمة تفضح خبايا القلب، وتكشف أسرار النفس (( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) ) (محمد:30) ، وقد قال عثمان - رضي الله عنه:"ما أسر رجل سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه، وفى فلتات لسانه"، وكان السلف يتركون الفضول من الكلام حرصًا منهم على استقامة أمرهم، واستدامة عقولهم وعافيتهم؛ قال عطاء:"بترك الفضول تكمل العقول"، وقال بعض الحكماء:"إذا تم العقل نقص الكلام"، ومن عظمت هذربته، واستفحلت ثرثرته ولو بالعلم؛ فدحت أخطاؤه، وكثرت سقطاته، وفى الحديث: ( من صمت نجا ) (رواه الترمذي برقم 2501، وقال الألباني صحيح) ، وكما قال الشاعر:
من لزم الصمت نجا من قال بالخير غنم
وكم من كلمة كانت أسيرة رجل، فما لبث حتى صار أسيرها، قال أعرابيٌّ:"الكلمة أسيرة في وَثاق الرَّجل، فإذا تكلَّم بها كان أسيرًا في وثاقها"، وقد عد الحكماء كثرة الكلام من السخافة قال المأمون:"السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال".
الكلمة طعنها دامٍ، وجرحها غائر، تبلغ ما لا يبلغه الجيش، فاحذر من كلمة لا تبق لك مع خصمك موضعًا للصلح، ولا موطنًا للتلاق، فإن وخز الكلمة لا يبريه الاعتذار، ولا ينسيه تعاقب الليل والنهار.
صمتّ على أشياء لو شئتُ قلتُها ولو قلتُها لم اُبقِ للصلح موضعًا
قال ابن مسعود - رضي الله عنه:"إن كان الشؤم ففي اللسان، ووالله ما على وجه الأرض شيء أحق بطول سجن من اللسان"، ووالله لقد فكرت:
وما شيء إذا فكرت فيه أحق بطول سجن من لسانِ