الصفحة 2619 من 3812

ولا بد للمسلمين عامة ولحملة الدعوة خاصة أن يعتصموا بالصبر ويحذروا من الاستعجال فالنفس مولعة بحب العاجل والإنسان عجول بطبعه كأنه المادة التي خلق الإنسان منها قال تعالى:"خُلِقَ الْإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ" (الأنبياء: من الآية37) فإذا أبطأ على الإنسان ما يريده نفد صبره وضاق صدره ناسيًا أن لله في خلقه سننًا لا تتبدل وأن لكل شيء أجلًا مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة أحد من الناس ولكل ثمرة أوان تنضج فيه فيحسن عندئذ قطافها والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها فهو لا يملك ذلك، وهي لا تملكه ولا الشجرة التي تحملها إنها خاضعة للقوانين الكونية التي تحكمها وتجري عليها بحساب ومقدار، ولهذا خاطب الله رسوله بقوله:"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ" (الأحقاف: من الآية35)

6-اليأس:

وهذا عامل آخر يجر الداعية إلى الوهن ويقع فيه كثير من الدعاة فهو من أعظم الآفات التي تعوق الدعوة فإن اليأس لا صبره له لأنه يدفع الزارع إلى معاناة مشقة الزرع وسقيه وتعهده هو أمله في الحصاد فإذا على قلب وأطفأ شعاع أمله لم يبق له صبرًا على استمرار العمل في أرضه وزرعه وهكذا كل عامل في ميدان عمله وصاحب الدعوة والرسالة كذلك ولهذا حرص القرآن الكريم على أن يدفع الوهن عن أنفس المؤمنين فبذر الأمل في صدورهم:"وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (آل عمران: 139) وقال تعالى:"فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ" (محمد: 35) .

ولما أمر موسى عليه السلام قومه بالصبر إزاء طغيان فرعون وتهديده أضاء أمامهم شعلة الأمل فقال:"قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" (لأعراف: 128) .

ولما شكا خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يلقى من أذى المشركين شكوى تحمل الضيق والتبرم ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بما لقيه المؤمنون في الأزمنة الماضية ثم طرد عن قلبه اليأس وزرع فيه الأمل الخصب حين أخبره أن الله سيُتم هذا الأمر حتى يسير الراكب من أقصى الجزيرة إلى أقصاها لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه!!

وما ذلك إلا لأن الأمل أكبر معين على الصبر على طول الطريق ومشقاته وأن اليأس من أقرب الطرق إلى الوهن (5) .

7 -قلة الصبر:

لا شك أن أهل الإيمان وأهل الدعوة أشد تعرضًا للأذى والابتلاء في أموالهم وأنفسهم وكل عزيز لديهم فقد اقتضى نظام الكون أن يكون لهم أعداء يمكرون بهم ويكيدون لهم ويتربصون بهم الدوائر كذلك جعل الله لآدم إبليس ولإبراهيم نمرود ولموسى فرعون ولمحمد أبا جهل وأمثاله"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ" (الفرقان: من الآية31) .

فمن ظن أن طريق الدعوة مفروشة بالأزهار والرياحين فقد جهل طبيعة الإيمان بالرسالات وطبيعة أعداء الرسالات.

ولعل هذا الحسبان أو الوهم داخل نفوس بعض المؤمنين في العهد المكي بعد أن أصابهم من العذاب ما أصابهم فنزل قوله تعالى:"أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ" (العنكبوت: 2)

بل في العهد المدني نجد أن القرآن ينفي مثل هذا الحسبان الواهم في مثل قوله تعالى:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة: 214) .

الجنة إذًا لا بد لها من ثمن وهي سلعة غالية فلا مضر من الثمن وقد رفعه أصحاب الدعوات من قبل فلا بد أن يدفعه إخوانهم من بعد دون أن يتطرق الوهن في قلوبهم.

8 -المبالغة في تعظيم شأن الخوف:

فهذا السبب من أكبر الأسباب الداعية لإصابة الإنسان بالوهن فكم من الدعاة من أقصره الخوف عن الدخول في ميادين الدعوة وللقرآن الكريم أبلغ الكلم في تصوير حال الجبناء فلننظر إليه إذ يصفهم ويرينا كيف يذوقون موجات الفزع المرة بعد الأخرى فيقول"يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ" (المنافقون: من الآية4) .

ويرينا كيف يظهر أثر الجبن في أبصارهم إذ يقلبونها وهم في ذهول من أدركه الموت، فيقول:"أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ" (الأحزاب: من الآية19) .

كما أن القرآن الكريم نعى على الجبناء ونبّه على أنهم قد فقدوا جانبًا في رجولتهم قال تعالى في توبيخ قوم تأخروا عن الجهاد في سبيل الله وقعدوا مع من لم يُخلقن للطعن والضرب:"رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ" (التوبة: من الآية87) .

فهذا الخوف الذي ذكر خوف سلبي مانع من الدعوة ولهذا صح أن يكون سبيلًا إلى الوهن والفتور (6) .

9 -المبالغة في احتقار النفس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت