فهرس الكتاب
فكثير من الدعاة مصابون بهذا الداء فالواحد من هؤلاء يبخس حظه ويبالغ في احتقار إمكانياته ولا يثق في نفسه البتة بل يرى أنه دون مستوى القيام بالدعوة وأنه لا قيمة لدعوته ولا أمل في نجاحه ولا يمكن أن يصدر منه عمل عظيم يسد ثغرة في ميدان الدعوة فهذا شعور بالوهن والضعف وصغر الشأن ومن شأنه أن يقتل الطموح ويفقد ثقة الداعية بنفسه فإذا هو أقدم على عمل شك في مقدرته وارتاب في إمكان نجاحه (7) .
ومن طبيعة الناس أنهم يحتقرون من احتقر شأنه ويدوسون بأقدامهم من استذل وفي الوقت نفسه يحترمون المقدام الواثق من نفسه العالم بقدرها فالثقة بالنفس فضيلة وشتان بينها وبين الغرور الذي يعد رذيلة فثقتك بنفسك أيها الداعية تعني معرفتك الصحيحة بها وبمقدار ما تتحمله من أعباء الدعوة الإسلامية وما تلتزمه من واجبات، وكذلك عملك بما لديها من استعداد وملكات ومواهب حتى تتمكن من القضاء على الأوهام التي تعوق طريق دعوتك (8) .
10 -التقصير في الأخذ بمقومات النجاح:
إن التقصير في الأخذ بمقومات النجاح وأسباب الفلاح قد يؤدي إلى تسليط الوهن وسيطرته على القلوب ومن ثم إلى الفشل والإخفاق ويتولد من أثر ذلك بعض المفاهيم والأعمال الخاطئة فيسرع الرجل إلى الإعراض والنفور من الناس وبدلًا من أن يصبر أو ينقذ نفسه ويغير أسلوبه ويعالج خطأه نراه يلقي باللائمة على الناس ويحكم عليهم بالفساد والاستعلاء عن الحق وأنهم أعداء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي قال فيه:"إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم" (9) .
فلا بد من إعداد العدة البدنية والمادية والمعنوية وسائر أنواع العدة من جميع الوجوه حتى نستغني بما أعطانا الله سبحانه وتعالى من الأسباب لنجاح دعوتنا.
11 -صحبة الأشرار ومرافقة المخذلين والسفهاء:
ومن الأسباب المهمة التي تؤدي إلى تحكم الوهن في تصرفات الداعية هي صحبة أشرار الناس ومرافقة المخذلين والسفهاء فالصحبة السيئة تحسن القبيح وتقبح الحسن وتجر المرء إلى الرذيلة وتبعده عن كل خير وفضيلة ذلك أن المرء يتأثر بعادات جليسه فالصاحب ساحب.
ثم إن مجالسة الخذلين ومرافقتهم تنساق بصاحبها إلى الحضيض فكلما هم بالصعود عوقوه عن همته وثنوه عن عزمه تارة بالتخذيل وتارة بالتخويف وتارة بوضع العراقيل.
وقد صدق من قال:
وأشد ما يلقى الفتى من دهره *** فقد الكرام وصحبة اللؤماء (10)
ومن الناس من إذا ابتلى بسيفه ساقط لا خلاق له. أخذ يجاريه في قيله وقاله مما يجعله عرضة لسماع مالا يرضيه من قبيح القول ورديئة فيصبح مساويًا للسفيه في سفهه إذ نزل إليه وانحط في مرتبته (11)
إذا جاريت في خلق دنيئًا *** فأنت ومن تجاريه سواء (12)
وهناك أسباب أخرى كثيرة لتسلط الوهن على الداعية لا يسعنا ذكرها هنا بالتفصيل ومنها:
التهرب من المسؤولية، والتكلف والتصنع، والاشتغال بما لا يعني والانصراف عما يعني، والتحسر على ما مضى وكثرة التلاوم وقلة العمل، وكثرة الشكوى إلى الناس، والاسترسال مع الأماني الكاذبة، والتردد في أمور الدعوة وغيرها.
فالمقصود من ذكر ما تقدم هو تحقيق غاية الدعوة، والبعد عن الأسباب التي تقف أمام الداعية، فيجب الإقلاع عن تلك المظاهر والوسائل المؤدية إلى غرق سفينة الدعاة.
(1) المعجم الوسيط 2/1060
(2) رواه أبو داود في كتاب الملاحم، باب تداعي الأمم على الإسلام، والإمام أحمد في المسند برقم 21363
(3) راجع على سبيل المثال: عدة الصابرين لابن القيم الجوزية، وأدب الدنيا والدين للماوردي، ورسائل الإصلاح لمحمد الخضر حسين، والهمة العالية لمحمد بن إبراهيم الحمد.
(4) الجواب الكافي لابن القيم الجوزية ص 74
(5) راجع كتاب المحن للتميمي، والصبر في القرآن للدكتور يوسف القرضاوي ص 113
(6) الهمة العالية ص 7879
(7) الهمة العالية ص 7778
(8) الهمة العالية ص 7778
(9) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن قول هلك الناس صحيح مسلم بشرح النووي 13/175
(10) ديوان البارودي ص 31
(11) الهمة العالية ص 6274
(12) ديوان أبي تمام4/296
13/7/1426هـ
مقومات النجاح في تكوين الداعية
د. علي بن عمر بادحدح
التميز الإيماني من أهم ركائز ومستلزمات الدعوة:
إن الدعوة إلى الله هي مهمة الرسل والأنبياء، ورسالة الوارثين من الدعاة والعلماء (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن) ، والدعوة لها مستلزمات ومتطلبات، ومن أهم ركائزها وأولى دعائمها الإيمان والعلم وهما أعظم الأسس وأولى الأولويات، ولذا فإن التوضيح لهما والتركيز عليهما له أهميته في تثقيف وتكوين الدعاة.
ونبدأ اليوم بالتميز الإيماني والتفوق الروحي باعتبارهما الركيزتين الرئيستين اللتين تعتمد عليهما الدعوة.
فالتميز في مجال الإيمان عقيدة صحيحة، ومعرفة جازمة وتأثيرًا قويًا يعد بلا نزاع أهم المقومات وأولى الأولويات بالنسبة للداعية، لكي يكون عظيم الإيمان بالله، شديد الخوف منه، صادق التوكل عليه، دائم المراقبة له، كثير الإنابة إليه، لسانه رطب بذكر الله، وعقله مفكر في ملكوت الله، وقلبه مستحضر للقاء الله، مجتهد في الطاعات، مسابق إلى الخيرات، صوام بالنهار قوام بالليل، مع تحري الإخلاص التام، وحسن الظن بالله وهذا هو عنوان الفلاح، وسمت الصلاح ومفتاح النجاح، إذ هو تحقيق لمعنى العبودية الخالصة لله وهي التي تجلب التوفيق من الله فإذا بالداعية مسدد، إن عمل أجاد، وإن حكم أصاب، وإن تكلم أفاد.