فهرس الكتاب
وروي عن ابن مسعود وأبي الدرداء وفضالة ابن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يبدؤون أهل الذمة بالسلام. وعن ابن مسعود أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب السلام عليك، وعنه أيضًا أنه قال: لو قال لي فرعون خيرًا لرددت عليه مثله. وروى الوليد بن مسلم عن عروة بن رويم قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يسلم على كل من لقي من مسلم وذمي [7] .
و مما ذكر يتضح أن الحديث قيل في ظروف استثنائية في المدينة المنورة، والأصل هي المعاملة الطيبة في قوله - سبحانه وتعالى-: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) (سورة العنكبوت جزء من الآية46) .
و لا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة لقوله - تعالى -في السور المكية: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين) (سورة الأنعام- آية 106) .
(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم) (سورة فصلت- آية 34) (و اصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلا) (سورة المزمل- آية10) .
كانت الآيات المكية تحث على العفو والصفح. فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أمر بالقتال فنزلت أول آية في القتال، قاله الربيع بن أنس وغيره [8] (و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (سورة البقرة- آية190) .
لما نزلت هذه الآية كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقاتل من قاتله ويكف عمن كفَّ عنه حتى نزلت الآية [9] (و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) (سورة التوبة-جزء من الآية36) .
إن الآية الأولى أوجبت قتال المعتدين فقط وليس غيرهم. أما الثانية فأوجبت قتال المشركين وليس أهل الكتاب.
مما سبق يتضح بأن أهل الكتاب لهم وضع خاص في ظل الإسلام، لذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو أهل الكتاب بوجه عام ليشملهم بتلك الدعوة وتارة يخص بدعوته اليهود، وتارة يخص بها النصارى، ولنشرع الآن في بيان أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - في دعوته أهل الكتاب على ضوء الكتاب والسنة. علمًا أن الكتاب والسنة يخرجان من مشكاة واحدة، ألا وهو - سبحانه وتعالى-. قال - تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (سورة النجم- آيات 3، 4) ، فالسنة إما أن تكون مثبتة ومؤكدة ما جاء في القرآن أو مفسرة ومبينة له أو تأتي بحكم سكت عنه القرآن.
المبحث الأول: دعوته - صلى الله عليه وسلم - أهل الكتاب:
كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس بمختلف اتجاهاتهم ويبلغهم رسالة ربه، ومن ضمنهم أهل الكتاب. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو أهل الكتاب دعوة خاصة، وكان تارة يدعوهم بوجه عام اليهود والنصارى، وتارة يخص بدعوته اليهود، وتارة يخص بدعوته النصارى.
المطلب الأول: دعوة أهل الكتاب بوجه عام:
قد امتثل - صلى الله عليه وسلم - أمر ربه حيث أمره بذلك في قوله - تعالى: (قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أرباب من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (سورة آل عمران آية 64) .
هذا خطاب موجه إلى أهل الكتاب يأمر فيه الله - سبحانه وتعالى-نبيه الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: (يا معشر اليهود والنصارى هلموا إلى كلمة عادلة مستقيمة فيها إنصاف بعضنا من بعض وأن نفرد الله وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكًا، أي لا يعبد بعضنا بعضًا كما عبد آباؤكم من اليهود والنصارى عزيرًا وعيسى، وأطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوا لهم وحرموا) [10] هذا خطاب فيه خصوصية لأهل الكتاب لأنهم أهل علم ودراية بدين سابق.
و كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو أهل الكتاب كافة، وكان التأكيد أقوى في مخاطبته الملوك والزعماء، لأن من كان ذا مسئولية ورعاية عظيمتين كان التبعة عليه أعظم، من هذا المنطلق كتب - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل عظيم الروم خطابًا لطيفًا فيه تبشير وتنذير قال فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن عليك إثم الإريسيين [11]
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: (الأريسيين هم الأكارون أي الفلاحون والزراعون ومعناها أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك، وبهؤلاء على جميع الرعايا لأنهم الأغلب ولأنهم الأسرع انقيادًا فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا) [12] .
و المعنى أنه إذا آمن له أجران أجر لأيمانه بالرسول السابق، وأجر لإيمانه بمحمد، وإذا لم يؤمن أن عليه إثم الضعفاء والأتباع في مملكته إذا لم يسلموا تقليدًا له، لأن الأصاغر أتباع الأكابر.
و في دعوته لليهود والنصارى قال: (و الذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) [13] وفي هذا الحديث خص النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود والنصارى رغم أن لهم كتبًا سماوية أمروا باتباع ما فيها، وفيه كذلك دليل على نسخ الملل كلها برسالة نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.